فأيقنتُ أنّ الاستعدادَ لهذه المهمّة الخطيرةِ لا يمكن إلاّ خارج البلاد.فسافرتُ إلى ليبيا بذريعة البحوث العلميّة، فانخرطتُ في سلك الموظفين بإحدى الشركاتِ التركيّة للمقاولةِ. فكانَ هذا البلدُ أرضًا صالحةً، إذ أنَّ سُكاّنَهاَ لم يكونوا من أهل البدعِ والخرافاتِ، كما لم يكن للطرق الصوفيةِ أثرٌ يُذْكَرُ على الأغلبيّة منهم. بل وجدتُ الليبييّنَ على وجه العمومِ مجتمعًا فاضِلًا خَلوقًا كريمًا، ولقيتُ منهم حفاوةً أفسحتْ لي المجالَ في البحثِ حول الصوفية عامّةً والنقشبنديّة خاصّةً.في الحقيقةِ مكتباتهم كانت خاليةً من المصادر التي أحتاج إليها، إذ كانت جلّ هذه المصادر في مكتباتِ إسطنبول، ولم يكن من السهل إدخالُ مثل هذه الكتبِ إلى ليبيا. فلم أظن أنّي أتمكّنُ يومئذٍ من إقناعِ الموظفين في أمن بوّابات الدخول، بأنّي رجل باحثٌ، فأذكرَ لهم كلّ هذه القصّةِ الطويلةِ حتى أكسب ثقتهم.ولا عَمَدْتُ إلى تجربةٍ في ذلكَ.تجنّبًا أيَّ إزعاجٍ أو تشكيك. لذا تكبّدتُ عناءً شديدًا في نقلِ المعلومات الخاصّةِ بالصوفيةِ والطريقة النقشبنديّة إلى ليبيا.فكنتُ كلّما عُدْتُ إلى بلدي، طفتُ المكتبات الشهيرةَ وعلى رأسها مكتبة السليمانيّة، وقمتُ بكتابةِ ملاحظاتِ ضخمة في كرّاساتٍ ولكن بإيجاز، مع ذكر أرقام الصحف للمصادر، وتاريخ الأحداثِ والتطورات الخاصةِ بالطرق الصوفيةِ ورجالاتها، وأحفظ البقيّة من تفاصيلها عن ظهر قلبٍ، إلى أنْ تراكمتْ هذه الكرّاسات عندي، فتكوّنتْ منها مكتبةٌ متكاملةٌ بناحيةٍ من حجرتي الواقعةِ في عمارةٍ بموقع الظهرةِ في طرابلس.ولم يكن أحدٌ من إخوتنا الليبييّنَ يعلم يومئذٍ أن رجلًا من الأتراكَ يقيم في بلدهم، يملك مكتبةً ضخمةً اسْتَنْسَخَ كلّ ما فيها بقلِمِهِ، وتُمَثِّلُ هذه المكتبةُ منهلًا غزيرًا في مجال التصوُّفِ خاصّةً فيما يفضحهم! وكم كانَ المثقّفونَ والعلماءُ والطَلَبَةُ والباحثونَ اللّيبيّونَ بحاجةٍ ماسَّةٍ