جـ- أن يعرف - بدراسة تاريخ الفكر - الأصول والمتابع لكثير من التيارات الفلسفية والمذاهب الفكرية الحديثة، كالمادية، والشيوعية، والوجودية، وهذا يعين الباحث على تقويمها ونقدها نقدا علميا مستوعبا، كما يعرف الجذور التاريخية لكثير من التحريفات التي دخلت على الأديان الكتابية ذاتها، كما يتضح ذلك من فكرة التثليث، والصلب، والفداء، والبنوة لله ... إلخ، وإلى ذلك يشير القرآن بقوله في أهل الكتاب: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 30] .
د- أن يطلع على تخبطات الفكر الإنساني إذا بحث في الغيبيات وقضايا الوجود الكبرى وحده، دون دليل أو معين من وحي الله وهداه، وقد قال أحد الفلاسفة"كانت"في نتائج البحوث العقلية الميتافيزيقية: إنها أشبه بورق نقد بغير ضمان.
وبذلك، يزداد إيمانا بما هدى إليه وحي الله، فيستريح عند ذلك ويريح: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة: 120] .
هـ- أن ينتفع بما يجده من نتاج العقل، وثمار الحكمة، مؤيدا لما معه من حق خالص جاء به الوحي، وفي الحديث: «اَلْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، أَنَّى وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (رواه الترمذي وابن ماجه) ، ولا عجب أن يتفق العقل والنقل، ويلتقي نور الفطرة السليمة بنور الوحي الصادق، فيظهر من بينهما: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} ، بل الواجب أن يلتقي العقل الصريح والنقل الصحيح لا محالة، لأن كليهما أثر من آثار رحمة الله بعباده، وبرّه بهم، ونعمته عليهم، وآثاره تعالى لا تتناقض، فإن بدا لنا شيء من التناقض بين العقل والنقل، فلا بد أن يكون النقل غير صحيح أو العقل غير صريح، وهذا ما وضحه وبرهن عليه شيخ الإسلام في كتابه الآنف الذكر.
ومن المهم جدا أن يُكْتَب عن أصول الفلسفة وتاريخها، ومشكلاتها الكبرى، وتياراتها المعاصرة، بأقلام إسلامية متخصصة، تتميز بالنضج والأصالة، والإيمان العميق بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق، والتحرر من سيطرة أي فكر غازٍ دخيل (1) .
(1) من أفضل ما كتب في ذلك:"الدين"للدكتور محمد عبد الله دراز - الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي - الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي - تهافت الفكر المادي التاريخي - كلها للدكتور محمد البهي - قصة الإيمان بين العلم والفلسفة للشيخ نديم الجسر - التفكير الفلسفي في الإسلام - الإسلام العقل - للإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ومناهج البحث عند مفكري الإسلام للدكتور علي سامي النشار.