{مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] ، {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ، {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] ، {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحاقة: 43] .
ومن هنا، يختم القرآن كثيرا من آياته التشريعية بمثل هذه الفواصل: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11] ، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] ، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28] .
ومن ثم، لا يجوز لمخلوق - أيا كان شأنه - أن يفرض نفسه على كلام الخالق: يفرض جهله مدّعيا العلم، أو يفرض هواه زاعما التحرر، أو يفرض نقصه متظاهرا بالكمال، فكلمات الله هي العليا، وهي فوق الجهالات والأهواء والأوهام.
والخصيصة الثانية للقرآن هي التيسير، فهو كتاب يسّره منزله سبحانه: يسّر تلاوته، ويسّر فهمه، ويسّر العمل به لمن أراد، لا يكلف الإنسان شططا، ولا يرهقه من أمره عسرا. قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17، 22، 32] ، {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان: 58] ، ويستطيع كل إنسان سليم الفطرة - يقرأ القرآن أو يسمعه - أن يفهم منه، ويتأثر به، ويستقي من منهله، بقدر ما يتسع واديه: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] .
ولهذا، كان من أوصاف هذا الكتاب: الإبانة والوضوح .. فهو كتاب: {مُبِينٌ} ، بل هو {نُورٌ مُبِينٌ} . قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] ، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] .
والنور واضح بيّنٌ في نفسه، مبينٌ موضّح لغيره، فكل بصير لا بد أن يرى النور، ولا يستطيع أن يرى شيئا بغير النور.
وكل هذا يوجب على الداعية أن يعرض القرآن سهلا ميسرا كما أنزله الله،