ولا بد للداعية من قدر مناسب من الثقافة الفقهية، بحيث يعرف أهم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والآداب، وما لم يعرفه أو يستحضره يكون قادرا على مراجعة حكمه في مصادره ومظانه الموثقة. وذلك مهم للداعية من عدة نواحٍ:
أولا: ليستطيع أن يجيب السائلين عن الحلال والحرام وشؤون العبادة والأسرة ونحوها، مما يكثر الناس السؤال عنه، ويلجأون عادة إلى الدعاة يلتمسون منهم الفتوى في ذلك. فمن لم يكن متضلعا من الفقه، سكت أو تهرب، وفي ذلك إضعاف لموقفه وتأثيره، أو أفتى بغير علم، وهذه هي الطامة، كما في حديث الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا» .
ثانيا: ليمكنه تصحيح ما يقابله من أخطاء، وتقويم ما يواجهه من انحرافات، في ضوء الأحكام الشرعية، فإذا رأى بعض البدع الفاشية، أو المنكرات السائدة، أو الأخطاء الدينية الشائعة، واجهها بعلم وفقه، لا بمجرد غضب وعاطفة. ومعنى هذا: أنه لا ينكر أمرا مجتهدا فيه بين الأئمة، إلا إذا ترتب عليه منكر أكبر منه، وقد حكى ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية إنكار في المسائل الاجتهادية، إلا في حدود معينة، وكذلك ينبغي ألا ينكر المنكر أنه مرّ على قوم من التتار جلسوا يشربون الخمر، فأنكر عليهم بعض أصحابه، فقال: دعهم وما هم فيه، فإن الله إنما حرم الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء، تصدّهم الخمر عن سفك الدماء، ونهب الأموال! كما ينبغي أن يقدم الأهم على المهم، والكلي على الجزئي، والفرض على النافلة.
ثالثا: ليعمل على تطعيم عظاته ودروسه بالأحكام المهمة التي يحتاج إليها الناس في وقتها، فإذا تحدث مثلا عن الزكاة أو الصيام أو الحج وغيرها، لم يقتصر حديثه على محض الترغيب والترهيب، بل يحرص على إعطاء سامعه أو قارئه خلاصة الأحكام الأساسية لكل منها بأسلوب سهل قريب مقبول. وبذلك، يستنير