ومثل ذلك ما يذكره المفسرون عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... الآية} [الحج: 52] من قصة"الغرانيق"، وهي قصة مرفوضة لا تقوم على ساقين، ولا يؤيدها نقل صحيح ولا عقل صريح.
وقد قال ابن كثير:"قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح" (1) .
ولكن - رحمه الله - لم يصنع هنا ما صنع في قصة زينب، حيث ضرب هنك صفحا عن الروايات الضعيفة ولم يوردها أصلا، أما هاهنا فحكم بضعفها، ولكنه ذكرها.
ومثل هذه الروايات الضعيفة المتهافتة يفتح لها المستشرقون صدورهم، ويأخذونها مسلّمين؛ لأنها توافق هواهم، وتخدم فكرتهم، في حين يردون - كثيرا - الروايات الصحيحة إذا عارضت اتجاههم.
ومما ينبغي أن يحذر منه قارئ التفسير: الأقوال الضعيفة، بل الفاسدة في بعض الأحيان. وهي أقوال صحيحة النسبة إلى قائليها من جهة الرواية، ولكنها سقيمة أو مردودة من جهة الدراية. وليس هذا بمستغرب ما دامت صادرة عن غير معصوم، فكل بشر يصيب ويخطئ، وهو معذور في خطئه، بل مأجور أجرا واحدا إذا كان بعد تَحَرٍّ واجتهاد، واستفراغٍ للوسع في طلب الحق.
وإذا كان ابن عباس - رضي الله عنه - وهو ترجمان القرآن، وحبر الأمة، قد تبتتْ عنه آراء في التفسير اعتبرها جمهور علماء الأمة ضعيفة أو شاذة، وخالفه فيها عامة الصحابة، مثل أقواله في المواريث ونحوها، فكيف بمن دون ابن عباس، ومن دون تلاميذ تلاميذه؟!
(1) تفسير ابن كثير (3/ 229) . وقد ألف المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة سماها:"نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، بيّن فيها بالأدلة العلمية بطلان تلك الحكاية، فلتراجع.