ولسنا نعني بالعلم هنا: معناه عند أهل اللغة، ولا مدلوله الاصطلاحي القديم عند أهل المنطق أو علماء الكلام وأشباههم، ولا مفهومه الإسلامي كما جاء به القرآن والسنة. إنما نعني بكلمة"العلم"مفهومها الاصطلاحي الحديث، كما شاع عند الغربيين، ونقله إلينا الناقلون من أهل العربية، حتى أصبح مصطلحا شائعا، ولا مشاحة في الاصطلاح. ومدلول العلم عندهم هو: ما قام على الملاحظة والتجربة، وخضع للقياس والاختبار، مثل علوم الفيزياء، والكيمياء، والأحياء - النبات، والحيوان - والجيولوجيا، والفلك، والتشريح، والطب، وغيرها.
ولا نريد للداعية أن يتعمق في دراسة هذه العلوم، فإن هذا غير مقدور عليه، والعمر لا يتسع، والطاقة لا تحتمل، والمعارف لا تنتهي، ولا تقف عند حدٍّ.
إنما نريد أن يطالع بعض الكتب الميسرة منها، مما يُعَدّ لغير المتخصصين، وكذلك المقالات العلمية في المجلات، مما ينشر ليقرأه جمهور المثقفين. والمفروض أنه واحد منهم، وذلك بعد أن يكون قد درس الأصول المهمة من هذه العلوم في المرحلتين الإعدادية والثانوية، دراسة تمكنه من متابعة الفكر العلمي - ولو بقدر - فيما بعد.
والثقافة العلمية مهمة في عصرنا للمثقفين عامة، وللدعاة خاصة، وذلك لأسباب:
1 -أنها مهمة لفهم الحياة المعاصرة. وقد أصبح العلم شريانها والمحرك لكثير من أمورها. فما من بيت إلا دخلته آثار العلم الحديث، من كهرباء، وأجهزة، وأدوات. حتى المسجد نفسه تجد فيه ساعة جدرانية، ومكبرات للصوت، وقد تجد فيه أجهزة للتسجيل، وكلها من إنتاج العلم الحديث. ولا يجمل بالداعية أن يعيش في دنيا يسيرها العلم، ويدير رحاها، ولا يدرك الأوليات والأساسيات لهذا العلم.
2 -أن بعض ما يعزى إلى العلم - وتحتويه كتبه ومقرراته - يتخذ وسيلة للتشكيك في الدين، مثل: نظرية"النشوء والارتقاء"في الكائنات الحية، التي تعرف بنظرية"التطور"لداروين وغيره. فلا بد من معرفة شيء عن مثل هذه النظرية، وقيمتها من الناحية العلمية، حتى يمكن للداعية اتخاذ موقف محدّد منها، بناء على دراسة صحيحة لا