مثال ذلك، أن بعض الناس يستدلون على أن من ثمار تقوى الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم بقوله - تعالى - في ختام آية المداينة من سورة البقرة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] .
والحق، أن الآية لا تدل على هذه الدعوى، لأنها ليست أمرا وجوابا، فإنما كان يصح ذلك لو كان لفظها:"وَاتَّقُوا اللهَ يُعَلمِّكُمُ اللهُ"، أما الآية أو هذه الفقرة منها، فإنها تتضمن أمرا بتقوى الله، كما هي سنة القرآن حين يقرن الأوامر والنواهي بالتقوى، ثم بعد ذلك قال: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} أي: هذه الأوامر والأحكام، كما قال في آية أخرى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] ,
أما الاستدلال على الدعوى المذكورة فيمكن بقوله تعالى في سورة الأنفال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] أي نورا تفرقون به بين الحق والباطل.
ومثلها قوله في سورة الحديد: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28] .
بل يمكن أن يستدل بعموم قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] ، لأنه يشمل المخرج من الشبهات والمتشابهات.
ويجب على الداعية أن يحذر ويحذر من الانحراف والتحريف وسوء التأويل لآيات الكتاب، وحملها على معانٍ تخرجها عما أراد الله بها. وهذا نوع من التحريف الذي ذم الله عليه أهل الكتاب، فقد حرّفوا كتبهم لفظيا بالزيادة والنقصان، ومعنويا بسوء التأويل.
أما القرآن فهو محفوظ في الصدور والمصاحف، ولا سبيل إلى تحريفه تحريفا لفظيا، ولكن قد يدخل في تفسيره سوء التأويل، وهو التحريف المعنوي - وأيضا الرأي المذموم الذي جاء الحديث يتوعد من فسر به القرآن.