فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 123

وعلى الداعية كذلك أن يحذر من سوء الفهم، للأحاديث الصحاح والحسان، التي وردت بها كتب السنة، وتلقّاها علماء الأمة بالقبول، فحرّفها بعض الناس عن مواضعها، وتأوّلوها على غير تأويلها، وبعدوا بها عما أراد الله ورسوله.

من ذلك أحاديث لَوَّتْ بعضُ الفرق أعنّتها، لتؤيد بها مذاهبها، وتعضد بها أفكارها، فاتخذوا المذاهب أصلا، وجعلوا النصوص لها تبعا، صنعوا ذلك مع القرآن، وصنعوا ذلك مع السنة، وقَلّما سلمتْ فرقةٌ من الوقوع في هذه الورطة إلا من عصم ربك من أهل السنة وأتباع السلف.

وما وقع فيه القدماء سقط في مثله المحدثون، فرأينا بعض الناس يتخذ من الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في قصة تأبير النخل - وهو قوله عليه السلام: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» - مستندا لعزل التشريع الإسلامي في المجالات الاقتصادية والسياسة ونحوها، برغم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوّض لنا تنظيم أمر دنيانا، وشؤون حياتنا بهذا الحديث.

والحديث، إنما يقصد بأمر دنيانا: الشؤون الفنّية المتعلقة بالوسائل والكيفيات، مثل شؤون الزراعة، والصناعة، ونحوها، مما ترك لعقول الناس واجتهادهم، وإلا، ما أنزل الله أطول آية في كتابه لتنظيم شأن دنيوي، وهو كتابة الدين، وما جاءت مئات النصوص وآلافها من الآيات والأحاديث تنظم علاقات الناس في حياتهم الدنيا من بيع وشراء وإجارة وهبة ... إلخ.

ومن ذلك، الأحاديث التي وردت فيما سماه العلماء:"الفتن"، وفساد آخر الزمان. فبعضهم يفهم منها - أو يضعها موضعا يفهم منها - أن الشر قد عمّ، وأن سبل الفساد قد طمّ، وأن لا سبيل إلى الخلاص، ولا أمل في إصلاح، وأن الأمور لا بد أن تسير من سيء إلى أسوأ، ومن أسوأ إلى الأسوأ، إلى أن تقوم الساعة. وطالما سمعتُ بعض المرشدين الدينيّين يجمعون أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وما شابهها في نسقٍ يوحي باليأس من أي عمل، ويفضّ اليد من كل محاولة للعلاج أو الإصلاح أو التصدي للفساد، وهذا ما رسخ في أذهان كثير من العامة، بل بعض الخاصة، فإذا دعوتَهم للإسهام في عمل جماعي إيجابي تؤدي به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت