فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 123

وإرشادات دينية، وتذكيرا بالله واليوم الآخر، وتقرران علم الله بكل شيء على حين لا يعلم البشر ..

فهل تُحْسَب هاتان الآيتان في التشريع أم في التربية أم في العقيدة أم في الآداب؟ الحقيقة، أنهما في ذلك كله في وقت واحد.

ومن شمول القرآن: أنه لا يخاطب العقل وحده، ولا القلب وحده، بل يخاطب الكيان الإنساني كله، فيقنع العقل، ويحرك القلب في وقت واحد كذلك. فإذا قرأ الإنسان أو سمع مثل هذه الآيات: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 - 8] . يجدها تخاطب الإنسان كله: عقله ووجدانه وروحه، فلا يكتفى بخطاب القلب والضمير وحده، كما هو المعهود في كتب الدين واللاهوت قبل القرآن، ولا يخاطب الفكر والعقل وحده كما هو شأن كتب الفلسفة قديما وحديثا. إنما هو يخاطب الذات الإنسانية بكل مقوماتها وخصائصها.

يقول المرحوم الأستاذ عباس العقاد:

"يخاطب الإسلام العقل، ولا يقصر خطابه على الضمير أو الوجدان. وفي حكمه أن النظر بالعقل هو طريق الضمير إلى الحقيقة، وأن التفكير باب من أبواب الهداية التي يتحقق بها الإيمان: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46] ، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] ".

"وما كان الشمول في العقيدة ليذهب مذهبا أبعد وأوسع من خطاب الإنسان، روحا وجسدا، وعقلا وضميرا، بغير بخس ولا إفراط في ملكة من هذا الملكات" (1) .

وهو لا يخاطب صنفا واحدا من البشر له اتجاه عقلي أو نفسي معيّن، مغفلا من عداه من الأصناف ذوي الاتجاهات المتعددة.

كلا، إنه يخاطب كل الأصناف، ويشبع كل الاتجاهات السوية.

أ- إن طالب الحقيقة العقلية يجد في القرآن ما يرضي منطقه، ويأخذ بلبّه إذا سمعه يصبح بالعقل أو ينظر ويفكر، ويهيب به أن يرفض الظن والخرص واتباع الهوى والتقليد، وأن يعتمد على البرهان وحده.

(1) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص: 24، أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت