وفي عصرنا - كما في عصور سابقة - كثرت أسباب الانحراف والتحريف، ومن هذه الأسباب:
أ- إخضاع النصوص للواقع الزمني: وإن كان مخالفا للإسلام، ومحاولة أخذها من تلابيبها وتأويلها تأويلا بعيدا عن الظاهر، لتبرير هذا الواقع بإعطائه سندا من الشرع.
كما رأينا ذلك في محاولات تسويغ نظام الفائدة في البنوك عند سطوة الرأسمالية في البلاد الإسلامية، ومثلها محاولات تبرير التأميم والمصادرة للملكيات المشروعة بعد ذلك أيام سطوة الاشتراكية.
ومن ذلك، الانحراف في تفسير الآيات والأحاديث عن مدلولاتها الظاهرة الواضحة إلى تأويلات بعيدة غير سائغة ولا لائقة، ولا منسجمة مع السباق والسياق، اتباعا لفكرة شائعة أو نظرية سائدة، لم تبلغ مبلغ الحقائق العلمية. كما وقع في ذلك بعض العلماء المعاصرين، وغيرهم من الكاتبين المتسرعين.
وهو ما عبر عنه بعض علمائنا: أن يعتقد ثم يستدل، مع أن المنهج السليم، أن يستدل ثم يعتقد.
وهذا ما رأيناه لدى كثير من علماء الكلام والفلاسفة والفرق المختلفة، والمقلدين في الفقه، فقد جعلوا مذاهبهم أصلا، ثم شدّوا النصوص شدأ لتأييد المذهب، وإن كان في ذلك التكلف والتمحل، وإن لم يجدوا مجالا للتأويل لجأوا إلى القول بالنسخ، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
وقد رأينا ابن سينا وأمثاله من كبار الفلاسفة في العصور الإسلامية، اعتقدوا صحة ما ذهب إليه أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان في الإلهيات والطبيعيات وغيرها، فلما اصطدم ذلك بآيات القرآن الوفيرة، طفقوا يؤولونها تأويلات ترفضها اللغة، كما يرفضها الدين، حتى كفرهم الغزالي ومن بعده في ثلاث مسائل معروفة أنكروا فيها ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
جـ- تجزئة النصوص وتفكيكها، وعدم ربط بعضها ببعض، مع أن الواجب أن يؤخذ في القضية المطروحة، كل ما ورد فيها من نصوص، والتوفيق بين بعضها وبعض، لمعرفة المعنى المراد من مجموعها.
فمن أراد أن يعرف حكم القرآن في الربا، فلا يسوغ له أن يقصر على قوله