الآخر أكثر من حقه، ويقدم ما يستحق التأخير، ويؤخر ما يستحق التقديم، مع أن الإسلام قد أعطى كل عمل من الأعمال، وكل واحد من تعاليمه قيمة و"سعرا"خاصا، فلا توضع الفروع موضع الأصول، ولا تحتل النوافل مكان الفرائض، ولا تقدم أعمال الجوارح على أعمال القلوب، ولا تؤثر القربات الفردية القاصرة على العبادات الاجتماعية المتعدية، بل يوضع كل شيء في مرتبته الشرعية دون غلوّ ولا تقصير، وإلا، اضطربت المعايير، وقُدِّم ما حقه التأخير.
ومن هنا، ينبغي عند دراسة النظام الإسلامي، أو الكتابة فيه، تفادي هذه الأخطار الأربعة: من الزيادة فيه، أو النقص منه، أو التشويه له، أو الإخلال بتوازنه، وينبغي إذن أن يدرس النظام الإسلامي، وإن شئت قلتَ: يدرس الإسلام على هذه الصورة:
أ- خالصا مصفّى من الشوائب والفضول والزيادات التي ألصقت به على مرّ العصور، ويجب العودة إلى نقاء الإسلام الأول: إسلام القرآن والسنة، إسلام الصحابة وتابعيهم بإحسان - قبل أن تظهر الفرق، وتطرأ البدع، وتتفاقم الفتن.
ب- شاملا متكاملا، غير مبتور، ولا مجزّأ، ولا محذوف منه، بعقائده وتصوراته، بشعائره وعباداته، بأخلاقه وآدابه، بنظمه وتشريعاته: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمدنية والجنائية، مع وجوب الربط بينها، وشدّها جميعا إلى أصل من أصولها وأسس بنائها، وهو توحيد الله تعالى.
جـ- سليما كاملا - مبرأ من تشويه المشوهين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية للإسلام، مع العناية بتوثيق الدليل، وحسن التعليل، والاهتمام بإبراز خصائص الإسلام: ربانيته، إنسانيته، شموليته، وسطيته، واقعيته - إلخ.
د- متوازنا متسقا واضح التقاسيم، محدد المفاهيم، مرتّب التعاليم، بحيث يقدم فيه الأهم على المهم - والمهم على غير المهم، وتوضع مبادئه وأحكامه في مراتبها الشرعية: العقيدة قبل العمل، والعبادة قبل المعاملة، والفرائض قبل النوافل، والكبائر قبل الصغائر، والأركان قبل غيرها.
وينبغي أن يستفاد من كتابات المعاصرين من رجالات الفكر الإسلامي في أنحاء العالم الإسلامي، وذلك في المجالات الأساسية للنظام الإسلامي - ونرشح لذلك بعض الكتب على سبيل المثال لا الحصر - وإن كان كل بشر يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم - صلى الله عليه وسلم -.