ونعني بها: أن يلم الداعية إلماما مناسبا بأصول ما يعرف الآن باسم:"العلوم الإنسانية"، مثل علوم: النفس، والاجتماع، والاقتصاد، والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ. وقد فصلنا التاريخ عنها وخصصناه بالذكر لأهميته الخاصة للداعية، ولا سيما أننا أدخلنا فيه التاريخ الإسلامي.
1 -إن موضوعها له علاقة وثيقة بموضوع الدعوة، أو قل: إن موضوعهما واحد، وهو الإنسان. الإنسان في الماضي، أو الحاضر، الإنسان فردا أو مجتمعا، الإنسان مفكرا لنفسه أو مقلدا لغيره، الإنسان منتِجا أو مستهلكا، الإنسان ريفيًّا أو متحضرا، الإنسان أمّيّا أو متعلما، الإنسان حيث كان وكيف يكون.
2 -إن الإلمام بهذه العلوم يعين على فهم الناس، وبخاصة الذين تثقّفوا بهذه العلوم، وأصبحت جزءا من تكوينهم الفكري، ومزاجهم الثقافي. والداعية مأمور أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وأن يبيّن لهم بلسانهم ليفهموا عنه. ولا يستطيع ذلك ما لم يكن بينه وبينهم جسر مشترك من الثقافة، يقرّب المسافة، ويزيل الهُوّة أو الفجوة العقلية والنفسية بين عالم الدين والمثقفين بالعلوم الحديثة.
3 -أن لهذه العلوم في كثير من الأحيان رشحات ضارة على الثقافة المعاصرة، وسموما تنفثها في شتى المجالات، لا يكاد يسلم منها كتاب أو مجلة أو صحيفة، أو إذاعة أو غيرها، ومن لم يعرف مصادر هذه الرشحات والسموم لم يستطع أن يقاومها بأسلوب علمي رصين - بل لعلها تتسلل إلى نفسه، وتؤثر في فكره وقلبه ولسانه وهو لا يشعر، ولهذا قيل: عرفتُ الشر لا للشر، لكن لتوقّيه.
وأود أن أنبّه هنا - أي في مجال العلوم الإنسانية - إلى جملة أشياء:
1 -أن هذا اللون من العلوم - مهما قيل فيه - يخضع لكثير من التفسيرات، تبعا للمدارس المختلفة، وتبعا لتفكير الدارس وثقافته واتجاهه.