د. محمد جمال الدين الفندي، عبد الرزاق نوفل، وقبلهم الشيخ طنطاوي جوهري، وغلا بعضهم في ذلك إلى حد التكليف والمجافة للفظ القرآن وسياقه، وعارضهم آخرون على طول الخط، وتوسط فريق ثالث، وخير الأمور الوسط.
وسنعود إلى ذلك فيما بعد.
ومن خصائص القرآن: أنه كتاب الخلود - ليس كتاب جيل، ولا كتاب عصر، ولا كتاب أجيال أو أعصار محدودة، بل هو الكتاب الخاتم للرسالة الخاتمة، ولهذا، تكفل الله بحفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] .
ومن دلائل ذلك أن أربعة عشر قرنا من الزمن مرتْ على نزول القرآن ولم يزل كما أنزله الله، وكما بلغه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكما تلقاه أصحابه، ومن بعدهم جيلا إثر جيل، محفوظا في الصدور، متلوًّا بالألسنة، مكتوبا في المصاحف، يستظهره عشرات الألوف من أبناء المسلمين، حتى الصبيان منهم، بل حتى الأعاجم الذين لا يعرفون لغته.
وعلى الداعية أن يقرأ القرآن بهذه الروح، وهذه الفكرة: إنه كتاب الزمن كله، فلا ينبغي أن يحمل على ثقافة عصر خاص، أو أفكار جيل معين، فإن الثقافات تتطور، والأفكار تتغير، والعصور والأجيال تذهب ويبقى كتاب الله كما أنزله الله.
ومن خصائص القرآن كذلك: الشمول، فكما أنه كتاب الزمن كله، هو كتاب الدين كله: جميع أصول الهداية الإلهية، والتوجبه الرباني، في العقائد، والشعائر، والآداب، والأخلاق، كما جمع أصول التشريع الإلهي في العبادات، والمعاملات، وشؤون الأسرة، وعلاقات المجتمع الصغير والكبير، المحلي والدولي، حتى أن أطول آية فيه إنما أنزلت لتنظيم شأن من شؤون الحياة الاجتماعية، وهو كتابة الدين.