وأضيف إلى التنبيهات السابقة للدعاة في مجال الثقافة التاريخية - تحذيرات يجب على الداعية ألا يغفل عنها:
أولا: ليس كل ما تحويه كتب التاريخ صحيحا مائة في المائة، فكم حوت مراجع التاريخ من مبالغات وتشويهات وتحريفات تكذبها الحقائق الثابتة بالاستقراء أو بالموازنة بالأدلة الناصعة في مصادر أخرى. وكم لعبت الأهواء والعصبيات السياسية والدينية والمذهبية دورها في كتابة التاريخ، وفي رواية وقائعه وتلوين أحداثه، وتصوير أبطاله إيجابا أو سلبا، وخصوصا إذا علمنا أن التاريخ يكتبه - عادةً - المنتصرون الغالبون. والغلبة لها بريق وأضواء كثيرا ما تغشى أعين المؤرخين عن سوءات الغالبين، في حين تضخم أخطاء المغلوبين، وتطمس فضائلهم، عن قصد أو غفلة.
وإذا نظرنا إلى تاريخنا الإسلامي الذي يتعلق بأمثل عصور الإسلام وأفضلها، وهو تاريخ العصور الأولى التي انتشر فيها الإسلام في الآفاق، وانتشرت معه لغته وفقهه، واتسع فيها تعلم كتابه وسنة نبيّه، وهو تاريخ عصر الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهم الذين أثنى عليهم الله ورسوله، وهم الذين حفظوا القرآن والحديث وبلغوهما الأجيال اللاحقة من بعدهم، إذا نظرنا إلى هذا التاريخ، وجدناه قد ظُلِم وَشُوِّه في كتب التاريخ أيّ ظلم وتشويه. ثم يجيء المعاصرون ليأخذوا من تلك الكتب بِعُجَرها وبُجَرِها، ويقولون: نحن لم نَحِدْ عن الطريقة العلمية فمصدرنا الواقدي، أو الطبري، أو ابن الأثير .. إلخ جزء كذا، صفحة كذا، طبعة كذا.
هكذا يصنع المستشرقون، وهكذا يفعل أساتذة التاريخ في الجامعات، وهكذا يسير الذين يكتبون عن التاريخ في المجلات، وفي غير المجلات.
ولم يكلف هؤلاء أنفسهم أن يدرسوا كيف كتب تاريخ تلك العصور.
لنأخذ أهم هذه المصادر القديمة وأشهرها وهو: تاريخ الطبري.
لقد كانت الفكرة المهيمنة على الطبري عند كتابة تاريخه هي التجميع والتسجيل، دون الانتقاء أو التمحيص للأسانيد أو الوقائع المروية. فمن كان عنده خبر ذو بال، نقله عنه ودوّنه منسوبا إليه، وإن كان راوي الخبر من الضعفاء