فالذي نركز عليه هنا: أن التاريخ ليس للملوك ولا لرجال السياسة وحدهم، فكم من أفراد وفئات أخرى تسهم في صنع التاريخ، وتترك"بصماتها"في حياة الناس أكثر من السلاطين والأمراء والزعماء السياسيين.
وقد نجد حياة هؤلاء الطافين على سطح التاريخ فقيرة أو مقفرة من القدوة على حين نجد حياة الآخرين خصبة وثرية من المثل العليا، والمعاني الطيبة، وهذا ما لم يغفله تاريخنا الإسلامي، والحمد لله.
د- أن يهتم بربط الحوادث والوقائع - خصوصا في تاريخنا الإسلامي - بأسبابها وعللها المعنوية والأخلاقية، فالذي يطالع تاريخنا بدقة، ويتأمل سيره بعمق، يجد أن المدّ والجزر، والامتداد والانكماش، والنصر والهزيمة والازدهار والذبول، والغنى والفقر، كلها ترتبط بمقدار صلة الأمة بالإسلام أو انفصالها عنه، وقربها من تعاليمه أو بعدها عنها، وحسبنا أن نلقي نظرة عجلي إلى عصر الراشدين، أو عصر عمر بن عبد العزيز، أو عصر الرشيد، أو نور الدين، أو صلاح الدين، لنرى تمسّكا بالدين، أو رجعة إليه، ونرى ثمارها عزًّا وازدهارا. والعكس بالعكس في عصور أو فترات أخرى.
هـ- أن يكون محور التاريخ الإسلامي هو الإسلام نفسه دعوة ورسالة، وأثره في تربية الأجيال، وتكوين الأمة المسلمة، وإقامة الدولة الإسلامية، وبناء الحضارة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، وتأثيره في العالم كله، وقدرته على الانتشار عند القوة، والمقاومة عند الضعف، واستطاعته التأثير في غالبيه، ليعتنقوه عن رضا واختيار - كما فعل مع السلاجقة والتتار، واختزانه كل العناصر والطاقات اللازمة لإمداد أمته بروح الجهاد لإثبات الذات أو لاستعادتها.
وهنا يجب أن نركز على عدة حقائق تاريخية قد يغفلها مُغْفِلُون عمدا أو سهوا:
1 -يجب إبراز الجاهلية العالمية والعربية - التي كان يتردى فيها العالم عامة والعرب خاصة - على حقيقتها بلا إفراط ولا تفريط.
ذلك أن النزعات التبشيرية والاستشراقية تريد أن تلبس هذه الجاهلية لبوسا حسنا، مضخّمة ما كان لها من حسنات، متغاضية عما عجّت به من مثالب. وقد طرب لذلك القوميون، وخصوصا من العرب، فحرضوا على عرض الجاهلية العربية مبرأة من كل عيب، وإذا عرضوا الشيء من عيوبها مسّوه برفق: كما يبدو ذلك في دراسة التاريخ والأدب وما سمي"المجتمع العربي"وغير ذلك