فهذا مطلوب في كل حين، لكن طلبه في عصرنا ألزم، والحاجة إليه أوكد، لأن كثيرا من الناس لم يَعُد يغلب عليهم التسليم، وإنما يغلب عليهم البحث والتساؤل لمعرفة الأسرار والعلل، ورحم الله امرءا عرف زمانه، وخاطب أهله بما يعرفون.
وأود أن أنبّه هنا في مقام تعليل الأحكام إلى بعض المحذورات التي يتورط فيها بعض الدعاة. فمن هذه المحذورات:
المبالعة في تعليل العبادات بأمور دنيوية، وربطها بها ربط العلة بالمعلول، مع الغفلة عن حقيقة كبيرة يجب التنبيه عليها، وهي: أن العبادات مطلوبة طلب الغايات والمقاصد، لا طلب الأدوات والوسائل، فهي مرادة لذاتها، بغض النظر عما وراءها من منافع وثمرت. بل هي الغاية من خلق المكلفين، كما قال - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، بل المقصود الأول من خلق هذا العالم كله، علويه وسفليه: أن يعرف الناس ربهم بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا. كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .
والمبالغة في هذا الجانب قد تؤدي ببعض الناس إلى أن يقول: إذا كان هدف العبادات تربية الضمائر، وتزكية الأنفس، وتقويم الأخلاق، فعندنا وسائل أخرى توصلنا إلى هذا الهدف. وقد يقول بعضٌ آخر ما قاله بعض الفلاسفة من قبل.
ومن المحذورات، أن يعلل الحكم الشرعي بأمر غير جامع، بمعنى: أنه لا