وإذا كانت الثقافة الدينية لازمة للداعية في الدرجة الأولى، فإن الثقافة الأدبية واللغوية لازمة له كذلك. ولكن الأولى تلزمه لزوم المقاصد والغايات، والثانية تلزمه لزوم الوسائل والأدوات.
واللغة - بمفرداتها، ونحوها، وصرفها - لازمة لسلامة اللسان، وصحة الأداء، فضلا عن حسن أثرها في السامع. بل صحة الفهم أيضا، فالأخطاء اللغوية، إن لم تحرف المعنى، وتشوّه المراد - يمجّها الطبع، وينفر منها السمع.
وانظر: كم يقشعرّ جلدك، ويضطرب قلبك، ويتأذى سمعك، حين تسمع داعية يقول: التَّبْعَة، وهو يريد: التَّبِعَة، ويذكر: الْأُهُبَّة، وهو يريد: الْأُهْبَة.
وآخر ينصب المرفوع، ويرفع المنصوب، ولا يفرق بين فاعل ومفعول به، ولا يبالي بإضافة ولا حرف جر .. فلا يكاد ينهي سطرا من الكلام إلا ضلّك فيه ضلّة، أو لطمك - ولطم الخليل وسيبويه معك - لطمة أي لطمة.
وكثيرا ما يؤدي اللحن إلى إفساد المعنى، وإخراجه إلى ما يناقض الشرع والعقل.
وشر ما يكون ذلك إذا كان اللحن في كتاب الله، كذلك الإمام الذي صلى أعرابي خلفه، فسمعه يقرأ:"وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا"، قال: وَلَا إِنْ آمَنُوْا أَيْضًا لَنْ نَنْكِحَهُمْ! فقيل له: إنه يلحن، وليس هكذا يُقرأ. فقال: أَخِّرُوه، قبّحه الله، لا تجعلوه إماما، فإنه يحلّ ما حرّم الله.
إن المرء لا يستطيع أن يفهم كتاب الله وسنة رسوله بغير التمكن من اللغة وعلومها.
لقد أخبرني بعض طلابي أنهم سمعوا من يقول بأن حواء خلقت أولا، وأن آدم خلق منها بعد، وأن المرأة هي أصل البشرية.
ولما سألت مِن أين جاء بهذا الكلام؟ قالوا: من القرآن، من أول سورة النساء وما شابهها - وهنا أدركت سرّ الخطأ عند هذا المتحدث، وهو جهله باللغة، فقد قرأ قوله: