وكثيرا ما يعقب على نهاية الأمم تعقيبات تبرز ما وراءها من دروس، مثل قوله بعد قصة ثمود: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل: 52 - 53] . وقوله بعد قصة سبأ: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 17] ، وقوله بعد قصة موسى وفرعون: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعرف: 137] .
والداعية يحتاج إلى أن يستشهد للمعاني والقيم التي يدعو إليها بأحدث التاريخ، ومواقف الأبطال، وغير الأبطال، فهذا أعون على تثبيتها في العقول والقلوب، فإن الكلمات قد تنسى، ولكن الوقائع قلما تنسى.
جـ- أن التاريخ كثيرا ما يعين على فهم الواقع الماثل، ولا سيما إذا تماثلت الظروف، وتشابهت الدوافع، وهذا ما جعل العرب قديما، يقولون: ما أشبه الليلة بالبارحة! وجعل الغربيين يقولون: التاريخ يعيد نفسه. بل القرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى حين أشار إلى وحدة التصرفات أو تشابه الأقوال عند تشابه البواعث، وذلك في مثل قوله عن المشركين وطلبهم الآيات الكونية من رسول الله كقولهم:"لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: 118] ، وقال في سورة أخرى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52 - 53] أي: أنهم اتحدوا في الاستكبار والطغيان، فاتحد ما صدر عنهم من زور وبهتان."
وأكثر من ذلك أن بعض القضايا الحاضرة لها جذورها التاريخية البعيدة الأغوار، فمن لم يعرف أغوار ماضيها لم يدرك أسرار حاضرها. فالصدام بين الإسلام والمسيحية في هذا العصر لا يعرف حق المعرفة ما لم يعرف صراع الحروب الصليبية، وما دفع إليها من بواعث، وما صحبها من دمار، وما خلفته من آثار، وما أسفرت عنه من نتائج .. بل لا يعرف إلا من بداية الصراع منذ موقعة اليرموك، وفتوح الشام، ومصر، وإفريقية في عهد الراشدين، بل منذ معركة مؤتة وغزوة تبوك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.