أو المتهمين أو المتروكين، وإنما دفعه إلى ذلك حب الاستقصاء، والخوف من أن يفوته بإهماله شيء من العلم ولو من بعض النواحي.
ويمثل العلامة السيد محب الدين الخطيب الطبري ومن في طبقته من العلماء في إيرادهم الأخبار الضعيفة برجال النيابة في عصرنا، إذا أرادوا أن يبحثوا في قضية، فإنهم يجمعون كل ما تصل إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة بها، مع علمهم بتفاهة بعضها أو ضعفه، اعتمادا منهم على أن كل شيء سيقدر بقدره (1) .
هذا عذر للطبري وأمثاله في روايته عن المجروحين. وله عذران آخران:
أولهما: أنه يروي الحوادث بسندها إلى من رواها، ويرى أنه إذا ذكر السند، فقد برئ من العهدة، ووضعها على عاتق رواته. وقد قيل: من أسند فقد حمل، أي حملك البحث في سنده، وكان هذا مقبولا في زمنه، حيث يستطيع العلماء أن يعرفوا رجال السند، ويحكموا لهم أو عليهم.
ومن هنا قال الطبري في مقدمة تاريخه:
"فما كان في كتابي هذا مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قِبَلِنا، وإنما أتى مِن قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدّينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا".
وبهذا حمل رواته التبعة، وحمل بالتالي دارس كتابه أن يفتش عنهم في كتب الرجال، ومصادر الجرح والتعديل، وسيجد حينئذ عددا منهم ساقطا بالمرة، وعددا آخر مختلفا في توثيقه وتضعيفه، وعددا أخر من الثقات المقبولين.
فمن رجال الطبري: محمد بن إسحاق صاحب السيرة، قال فيه الإمام مالك وغيره ما قالوا، ومن وثقه لا يقبل كل ما يرويه، وكثيرا ما كان الرواة عنه أضعف منه وأوهن.
والواقدي كذبه جماعة من أئمة الحديث، ومن قبله لم يقبله بإطلاق ..
وهشام بن محمد الكلبي وأبوه، وهما متهمان بالكذب.
وسيف بن عمر التميمي كان يضع الحديث، ويروي الموضوعات عن
(1) مجلة الأزهر، مجلد 24 عدد صفر سنة 1372 هـ، مقالة:"المراجع الأولى في تاريخنا".