وإلى جانب هذا، هو كتاب الإنسانية كلها، وكتاب الحياة كلها. ولهذا: {جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ} ، و {لِلْعَالَمِينَ} ، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185] ، وقال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [التكوير: 27] .
فليس هو كتابا لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، ولا لطائفة من الناس دون أخرى.
ليس للعقليين دون العاطفيين، ولا العكس، وليس للروحيين دون الماديين ولا العكس. وليس للحكام دون المحكومين، ولا العكس، وليس للأغنياء دون الفقراء، ولا للفقراء دون الأغنياء، إنه كتاب الجميع، ودستور الجميع.
فالقرآن دستور شامل، وصفه منزله - وهو رب كل شيء - بأنه تبيان لكل شيء، فقد خاطب الرسول المنزل عليه بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] .
وقد قال الخليفة الأول: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله.
فلم ينزله الله بيانا للعقيدة أو للعبادة فقط، فيكون كتابا في اللاهوت، ولا بيانا للفضائل والآداب فقط، فيضاف إلى كتب الأخلاق، ولا بيانا للشرائع والأنظمة فحسب، فيكون كتابا في القانون، ولكنه كتاب يضم ذلك كله، وفوق ذلك كله، في نسق فريد ونظم بديع.
اقرأ هاتين الآيتين في سورة البقرة:
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 231 - 232] .
ترى، كيف تصنف هاتين الآيتين؟
إنهما تضمنان تشريعا للأسرة، وتضمنان كذلك تربية وتوجيهات أخلاقية