فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 123

الجماعة فرض الكفاية الواجب عليها، وتسقط به الإثم والحرج عنها، شهروا في وجهك هذه الأحاديثَ!

ولعل أقربُ مثل يذكر هنا حديثُ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيْبًا، وَسَيَعُوْدُ غَرِيْبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوْبَى لِلْغُرَبَاءِ» ، وهو حديث صحيح رواه مسلم وغيره. فمن الناس من يتخذ من هذا الحديث سندا وحجةً له في القعود عن واجب الدعوة إلى الإسلام وترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويعارض به كل دعوة جادّة لاستعادة حكم القرآن، وإقامة دولة الإسلام.

فهل يُتصوّر أن الرسول الكريم قال هذا الحديث، ليثبّط عزائم أمّته عن الدعوة والعمل لدينهم، وليطفئ جمرة الأمل في قلوبهم؟!

لا، ثم لا. إنما أراد أن يحذرهم لينتبهوا، أو ينبّههم ليحذروا .. إنه بمثابة إشعال الضوء الأحمر علامة على الخطر، حتى يتفادى السائرون السقوط في الحفر أو الاصطدام بالغير.

ولم يرد الحديث أبدا أن يغلق باب الأمل، أو طريق العمل، على أهل الخير، كيف؟! وقد قال في آخر الحديث: «فَطُوْبَى لِلْغُرَبَاءِ» ، وفي بعض روايات الحديث عند غير مسلم: قِيْلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «اَلَّذِيْنَ يُصْلِحُوْنَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِيْ مِنْ سُنَّتِيْ» (1) .

ففي هذا دعوة صريحة إلى إصلاح ما أفسد الناس من منهج النبوة، والعمل الجادّ لردّ الشاردين إلى الطريق المستقيم.

وفي حديث آخر: قِيْلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «اَلنُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» أي: الذين نزعوا عن أهليهم وعشيرتهم، وهاجروا بأبدانهم، أو بعقولهم وقلوبهم في سبيل الإسلام.

وفي حديث غيره، قَيْلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ صَالِحُوْنَ قَلِيْلٌ فِيْ نَاسٍ كَثَيْرٍ، مَنْ يَعْصِيْهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيْعُهُمْ» .

هؤلاء الغرباء إذن ليسوا طائفة مترهبة منعزلة، بل هم طائفة قائمون على الحق، يؤدون دور الصحابة في بدء نشأة الإسلام، فقد كانوا غررباء، ولم تَنْهَهُمْ

(1) رواه الترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت