فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 123

غربتهم عن الدعوة والجهاد، وإن كان من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.

فالمقصود إذن بمثل هذا الحديث هو التنويه بالغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، وحث كل مسلم أن يكون واحدا من هؤلاء، أو - على الأقل - يكون عونا لهم، إن لم يكن منهم، فالحديث دعوة إلى البناء والإيجابية، وليس إلى اليأس أو الفرار من الميدان، بدعوى فساد الزمان.

نعيب زماننا والعيب فينا ÷ وما لزماننا عيب سوانا!

ومن الأحاديث التي تذكر هنا ما رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» . قَالُوْا: أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُوْرِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِيْ قُلُوْبِكُمُ الْوَهَنُ» . قَالُوْا: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (1) .

فالرسول - عليه السلام - حين ينبّه الأمة في هذا الحديث إلى المؤامرات الدولية التي تحاك لها في المستقبل، والتي كشف الله له الحجب عنها، فأخبر عنها كأنه يراها رأي العين، وكأنه معنا يعايشها - لم يقصد بذلك تيئيس الأمة من مقاومة كيد أعدائها، بل أراد أن يلفتها إلى مؤامرات خصومها في الخارج وتكالبهم عليها، لتلتفت هي إلى نفسها في الداخل، وإلى عوامل الضعف التي تنخر في كيانها المعنوي، رغم كثرتها العددية، حتى تحاول التغلب عليها. فإن أول مراحل العلاج أن تعرف أسباب المرض.

على أن هناك أمرا يجب أن ننبّه على دارس السنة في مواجهة أحاديث الفتن ونحوها، وهو أن نرفع نحن في وجه المثبطّين - الذين يضعون الأحاديث في غير موضعها - الأحاديث المبشرات، التي تنير القلوب بأشعّة الأمل، وقوة الرجاء، في غد الإسلام، ومستقبل المسلمين، ومن ذلك:

1 -ما رواه ابن حبان في صحيحه: «لَيَبْلُغُنَّ هَذَا الْأَمْرُ (يعني: هذا الدين) مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّيْنَ، بِعِزِّ عَزِيْزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيْلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ» .

2 -ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ثوبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت