الغيب"- للإمام الرازي كلمته المشهورة:"فيه كل شيء إلا التفسير" (1) !"
ولا ريب أن هذه الكلمة غلوّ من أبي حيان، ففي الكتاب لفتات تفسيرية رائعة لا تجدها في غيره.
ولكن استطراداته الطويلة المديدة في شتى العلوم، ومجادلاته الواسعة مع أرباب المذاهب الكلامية والفقهية، قلّلت من الإفادة بالكتاب.
ومن ثم، تجب العناية بلباب التفسير: أي ببيان المراد من كلام الله تعالى قبل الجري وراء القيل والقال، وإضاعة الجهد والوقت فيما لا طائل تحته، ولا ثمرة تجنى من ورائه.
وكثيرا ما يذكر بعض العلماء في الآية عشرة أقوال - أو أقل أو أكثر - لزيد وعمرو وبكر من الناس، دون أن يبيّن أي قول منها هو المعتمد، وقد يختار قولا منها دون أن يوضح سر اختياره وترجيحه.
وإذا كان هذا مطلوبا من كل عالم أو طالب علم، فهو ألزم ما يطلب للدعاة إلى الله. فالداعية لا يؤثر في عقول الناس وعواطفهم بالمباحث النحوية والبلاغية والمجادلات الكلامية والفقهية، وإنما يؤثر فيهم بما يجلّيه من أسرار الحق وأنوار الهداية في كلمات الله.
ولهذا، يجب على الداعية أن يلتفت إلى ما في التفسير من تعقيبات ذوي القلوب الحية، مما قد لا يعدّ من"مادة التفسير"، وإن كان يعدّ من"روح التفسير".
مثال ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] ، فالمعنى واضح، وهو أنه - تعالى - عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم - إذا بذلوها في سبيله - بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له.
ولكن لبعض المفسرين من أرباب البصائر هنا لفتات إشراقية، تحرك
(1) وكذلك قال السيد رشيد رضا عن تفسير"الجواهر"للشيخ طنطاوي جوهري، لكثرة استطراداته وتوغلاته في العلوم الحديثة المناسبة وغير المناسبة أكثر مما اهتم بالتفسير ذاته.