قال الإمام النووي في"التقريب"وهو يتحدث عن آداب المحدث مع تلاميذه في درس الحديث: وليتجنب ما لا تحتمله عقولهم وما لا يفهمونه.
وقال الإمام السيوطي في شرحه"التدريب على التقريب"كأحاديث الصفات، لما لا يؤمن عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم (1) .
فقد قال علي:"أَتُحِبُّوْنَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ؟! حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُوْنَ، وَدَعُوْا مَا يُنْكِرُوْنَ"!
وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معديكرب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا حَدَّثْتُمُ النَّاسَ عَنْ رَبِّهِمْ فَلَا تُحَدِّثُوهُمْ بِمَا يَغْرُبُ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ» . قال ابن مسعود:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً" (2) .
قال الخطيب: ويجتنب أيضا في روايته للعوام أحاديث الرخص، وما شجر بين الصحابة والإسرائيليات. وهذا مع البعد الشاسع بين طلاب الحديث في زمنهم وعموم الناس في زمننا.
وقد نختلف مع السيوطي أو الخطيب في بعض ما مثل به، ولكن المبدأ مسلَّم في ذاته، وهو انتقاء ما يحدث به جمهور الناس، فليس كل ما يُعرف يقال. وليس كل ما يقال لشخص يقال لغيره، وليس كل ما يقال في بيئة يصلح أن يقال في غيرها، وليس كل ما يصلح قوله في زمن يصلح في كل زمن، بل يجب أن يراعي الداعية - كما يراعي المفتي، بل أولى - تغيّر المكان والزمان والحال.
وحسبنا في هذا الحديث الصحيح: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (3) ، وجاء عن الإمام مالك أنه قال:"اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما وهو يحدث بكل ما سمع".
(1) مراد السيوطي - فيما أحسب - ألا تجمع الأحاديث المتفرقة في الصفات، وتكرر على أسماع عوام الناس بمناسبة وبغير مناسبة. فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقلها مجتمعة، ولم يذكرها إلا بمناسبتها.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.