وأكثر من ذلك، نجد القرآن الكريم حين يعلل للنواهي التي نهى الله عنها - وكثير منها يتعلق بِنَوَاهٍ اجتماعية واقتصادية - لا يعني إلا بإبراز الجانب الديني الذي يشمل كل الأحوال، ويعمّ كل الأشخاص في كل الأوقات، وكل البيئات.
وذلك مثل قوله في النهي عن الخمر: إنها {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] .
ثم يذكر تعليلا آخر فيقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91] .
فلم يهتمّ بذكر أضرارها على الجسم والعقل، وإن كان ذلك معروفا غير منكور، حتى لا يقول قائل: إنما أشربها بقدر، أو بعد استشارة الطبيب، أو نحو ذلك.
وقوله - تعالى - في تعليل النهي عن التبذير: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26 - 27] .
وفي تعليل النهي عن قتل الأولاد: {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31] .
وفي تعليل النهي عن قربان الزنا: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .
وفي تحريم الاستقسام بالأزلام: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] .
وفي تحريم أكل أموال اليتامى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] .
وينبغي أن يكون هذا هو منهج الداعية في تعليل الأوامر والنواهي إذا كان خطابه مع المؤمنين بالإسلام، فحسبه أن يشير إلى أن فعل هذا الأمر يجلب رضا الله ومثوبته، وأن اجتناب ذاك يجلب سخط الله وعقوبته. ولهذا، يكتفي القرآن هنا بأن يقول للمؤمن: إنه رجس، أو فسق، أو خطأ، أو حوب كبير، أو فاحشة، أو سبيل سوء.