أو يستسيغه، ولم يعد يكفي للرد على شبهات الفلسفة الحديثة، وما تثيره من مشكلات فكرية. لهذا، يجب توفير الجهد الذهني الضخم الذي يبذل في هضم هذه الكتب، وحلّ ألغازها، وفك طلاسمها، لما هو أجدى في الدفاع عن العقيدة وتثبيتها.
هذا بالإضافة إلى أن المباحث الكلامية - على عمقها وتعب الذهن في فهمها واستيعابها - لا تُكَوّن عقيدة - كل مهمتها الدفاع عن عقيدة تكوّنت بالفعل - ورد الشبهات عنه، وأكثر من ذلك أن مباحث علم الكلام قد تأثرت بالتفكير اليوناني، والأسلوب اليوناني في معالجة شؤون العقيدة.
ولهذا، هاجم أئمة السلف علم الكلام وأهله، وشددوا الحملة عليه. لهذا، نريد من دراسة العقيدة، مراعاة ما يلي:
1 -أن يكون كتاب الله تعالى، وما بيّنه من صحيح السنة، هو المصدر الفذ للعقيدة المنشودة، بعيدا عن الشوائب والزوائد والفضول، التي لحقت بها على مرّ العصور، وبهذا، تبقى العقيدة على صفائها ووضوحها وبساطتها، ولا تجعل آراء مدرسة معيّنة أصلا يحمل القرآن عليه، وتجرّ الآيات لتأييده.
2 -أن تتبع منهج القرآن في مخاطبة العقل والقلب معا من أجل تكوين الإيمان الصحيح، فبناء العقيدة على العقل وحده - كما هو اتجاه الفلاسفة - أو على القلب وحده - كما هو اتجاه الصوفية - لا يتفق مع شمول المنهج الإسلامي الذي يقوم الإيمان فيه على اقتناع العقل، وانفعال القلب، وصدق الإرادة.
3 -الاهتمام بأدلة القرآن التي ذكرها لإثبات معتقداته، وإقناع مدعويه، والرد على خصومه، وتفنيد ما يثيرونه من شبهات ومفتريات، مثل أدلة القرآن على وجود الله التي أشار إليها، مثل ابن رشد في"مناهج الأدلة"، والعقاد في"الله"، والجسر في"قصة الإيمان"، وغيرهم. وكذلك أدلته على التوحيد، وعلى البعث، وعلى نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكلها أدلة عقلية برهانية صريحة، وليست خطابية أو أقناعية، كما وهم بعض المتكلمين.
4 -صرف الهمة إلى مشكلات العقل المعاصر، والاشتغال بقضايا العقيدة الكبرى، مثل: وجود الله تعالى، وتوحيده، والنبوة، والحياة الأخرى، والقدر. أما المشكلات التاريخية، مثل: خلق القرآن أو الصفات وعلاقتها بالذات: هل هي