القول الأوّل:
إنّ المراد بأخذ الذّرّيّة من ظهور بني آدم هو توالدهم في الدّنيا وإخراجهم من بطون أمهاتهم قرنًا بعد قرن ونسلًا بعد نسل هكذا، ثم أخذ الميثاق عليهم والمراد به الفطرة التي فطروا عليها عند ولادتهم وهي الدّين، وأمّا كيف كان استنطاقهم وإشهادهم فهذا كلّه من باب التّمثيل.
وإلى هذا القول ذهب القفّال، وابن تيمية، وابن القيّم، وابن كثير، وابن أبي العز الحنفي، وأبو السعود، والقاسمي، وابن سعدي.
قال ابن القيم مرجّحًا لهذا القول: وأحسن ما فسّرت به الآية قوله صلّى الله عليه وسلّم: (كلّ مولود يولد على الفطرة: فأبواه يهوّدانه وينصرانه) فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، وإشهادهم الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به الفطرة التي فطروا عليها.
ثم قال بعد ذلك: ويدلّ على صحّة ما فسّر به الأئمّة الفطرة أنّها الدّين، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربّه تبارك وتعالى: (إنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانًا) ، وهذا صريح في أنّهم خلقوا على الحنيفيّة، وأنّ الشّياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوا منها.