قال القاسمي: الآية من باب التّمثيل المعروف في كلام العرب، مثَّل تعالى خلقهم على فطرة التّوحيد، وإخراجهم من ظهور آبائهم، شاهدين بربوبيّته، شهادة لا يخالجها ريب، بحمله إيّاهم على الاعتراف بها بطريق الأمر، ومسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلًا.
وهكذا يبيّن القاسمي حقيقة هذا القول إنه مبني على التّمثيل وليس هناك في الحقيقة نطق أو إشهاد بل أنّ ذلك مجرّد دلالة وإرشاد من الله تعالى سبحانه.
وأمّا ما جاء من الأحاديث التي تفسّر الآية على خلاف قولهم فقالوا عنها إنّ الصحيح منها موقوف والمرفوع ليس فيه ذكر لأخذ الميثاق والإشهاد.
واستدلّ أصحاب هذا القول بظاهر الآية ومجموعة من الأدلّة والحجج العقليّة فقالوا:
1 -ظاهر الآية الكريمة تدلّ على هذا المعنى فالله عزّ وجلّ قال في الآية (بني آدم) ولم يقل: آدم وقال (من ظهورهم) ولم يقل: من ظهره وقال (ذريتهم) ولم يقل: ذريته، فلو كان الإخراج من ظهر آدم والحديث عنه لم يأت نظم الآية بهذا اللفظ، وهذا مِمّا يدلّ على أنّ المراد بالإخراج في الآية هو توالدهم في هذه الدّنيا وإخراجهم من أرحام أمّهاتهم ثم أخذ الميثاق عليهم وهذا بخلاف ما جاء في أحاديث مسلك الجمع.
2 -إن ما صحّ من الأحاديث في تفسير الآية ليس فيها إلا إخراج الذّرّيّة من ظهر آدم عليه السّلام ثم تقسيم الخلق إلى أهل الجنّة وأهل النّار، أمّا الحديث عن الإشهاد والاستنطاق فلم تأت إلا في أحاديث موقوفة أو ضعيفة.
3 -إن الإشهاد الذي جاء في هذه الآية قد جاءت آيات تدلّ على أنه الفطرة ومنها قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} .
4 -إن هذا الإشهاد الذي جاء في القران جُعل آية، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} .
فلزم أن يكون هو الفطرة التي فطر الناس عليها لأنّ الآية يلزم أن لا تتخلّف عن مدلولها.