وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم وأسرت سراتهم.
وعن ابن عباس قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} يقول: ما كان الله سبحانه يعذب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يقول: ومنهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان، وهو الاستغفار، ثم قال: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} فعذبهم يوم بدر بالسيف.
القول الثاني:
إن المراد بالعذاب المنفي في الآية عذاب الاستئصال والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقيم فيهم في مكة، وما جاء في الحديث من عذاب المشركين يوم بدر ليس بمكة وليس عذاب استئصال، وبذلك لا يكون هناك تعارض بين الآية والحديث.
وإلى هذا القول ذهب الواحدي، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، ومحمد صديق خان.
قال الرازي في تفسيره: فإن قيل: لما كان حضوره فيهم مانعًا من نزول العذاب عليهم، فكيف قال: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} ، قلنا: المراد من الأول: عذاب استئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.
القول الثالث:
إن المراد بالعذاب المنفي في الآية هو إمطارهم بالحجارة والرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم، وهذا القول يربط هذه الآية بالآية التي قبلها وفيها طلب المشركين من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إمطارهم بالحجارة.
وهذا القول جوّزه زكريا الأنصاري.
ثانيًا: مسلك النسخ: