وإلى هذا القول ذهب الطيبي وقال: لا منافاة بين الحديث والآية، وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختبار والامتحان، ولله أن يمتحن عباده بما شاء. وقال: ولعل الله تعالى امتحن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بين أمرين: القتل أو الفداء، وأنزل جبريل عليه السلام بذلك هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتله أعداءه، أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبوله الفدية؟ فلما اختاروا الثاني عوتبوا بقوله {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} .
واستدل على أن الخطاب في العتاب لجميع من اختار الفداء على القتل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قصة تخيير الصحابة في الأسرى واختيارهم بعد ذلك الفداء على القتل: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) .
ففي هذا بيان لشمول العتاب لمن أخذ الفداء سواءً لتقوية المسلمين على الكفار أو لأي غرض آخر.
أيضًا واستدل الطيبي بالقياس على جواز الامتحان فقال: امتحن الله تعالى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} ، وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} امتحن الناس بالملكين وجعل المحنة في الكفر والإيمان، بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه.
القول الثالث:
ما نقله ملا علي قارئ فقال: ويمكن أن يقال - جمعًا بين الآية والحديث - إن اختيار الفداء منهم أولًا كان بالإطلاق، ثم وقع التخيير بعده بالتقييد والله أعلم.