الذي يظهر أنه يريد أن العتاب في الآية وقع قبل التخيير فيكونون ابتداءً أخذوا بالفدية، ثم جاء الحديث بعد الآية بالتقييد على القتل العام القابل، فالعتاب يكون على الأول لا على الثاني، وبذلك لا يكون تعارض بين الآية والحديث لأن العتاب ليس على ما جاء في الحديث، ولكن على ما كان قبله.
ثانيًا: مسلك الترجيح:
قال أصحاب هذا المسلك: إن اختيار الصحابة للفداء هو من باب الاجتهاد في تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك، وليس ذلك بوحي سماوي من الله تعالى، فهم اجتهدوا في هذا الاختيار من أنفسهم فأخطأوا فعاتبهم الله على ذلك.
وأجابوا عن تصريح الحديث بنزول جبريل في التخيير، إن في نقل الحديث لَبس، فلعل عليًا - رضي الله عنه - ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة.
وإلى هذا ذهب التوربشتي وملا علي قارئ.
قال التوربشتي: ومما جرَّأنا على هذا التقرير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى ابن أبي زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه، فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرًا يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث روي عنه متصلًا، وروي عن غيره مرسلًا، وكل ذلك مما يمنع القول بظاهره.
الدّراسة والترجيح
الذي يظهر أن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول من مسلك الجمع وهو ما ذهب إليه ابن عطية في تخصيص العتاب للذي كان غرضه من الفداء الحياة الدنيا دون الآخرة، مع ثبوت وقوع هذا التخيير بوحي سماوي، ويدل على ترجيح هذا القول ما يلي:
1 -صحة الحديث وثبوته بالسند الصحيح كما نص على ذلك العلماء، مما يمنع رده أو عدم قبوله أو تعليله ببعض العلل.
2 -دلالة الآية على تخصيص العتاب بمن أراد عرض الدنيا في قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} مما يدل على خروج من أراد من أخذ الفداء تقوية المسلمين على الكفار.
مناقشة الأقوال
أولًا: مسلك الجمع:
القول الثاني: قول الطيبي في أن التخيير للاختبار والامتحان، وأن العتاب للجميع لأنهم آثروا العاجلة على الآجلة.