قال الرازي: واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر، وهو أن المعهود من الآية متى كانت السماوات والأرض دائمتين كان كونهم في النار باقيًا، فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عُدم الشرط يُعدم المشروط، ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنسان فهو حيوان، فإن قلنا: لكنه إنسانًا فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس إنسانًا لم ينتج أنه ليس حيوانًا، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئًا، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السماوات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السماوات والأرض دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلًا، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السماوات لم يلزم عدم دوام عقابهم.
ثانيًا: تعليق خلود أهل الجنة والنار بقوله تعالى: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} وسلك العلماء تجاه هذا الإشكال أربعة مسالك.
أولًا: مسلك الجمع، وفيه أحد عشر قولًا:
القول الأول:
أن (ما) بمعنى (مَنْ) أي إلا مَنْ شاء الله عدم خلوده في النار فيخرج منها إلى الجنة، هذا في آية النار، وفي آية الجنة إلا من شاء الله أن لا يدخل الجنة ابتداء بل يدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة، وعلى هذا المعنى يكون الاستثناء خاصًا بأهل الكبائر والعصاة من أهل التوحيد، ونحو هذه الآية قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} .
وذهب إلى هذا القول قتادة، والضحاك، وأبو سنان، وخالد بن معدان، وابن جرير، والغزنوي النيسابوري، والرازي، والخازن، والخفاجي، وابن عاشور، وخص ابن كثير والشوكاني هذا القول بآية النار دون آية الجنة.
قال الشوكاني: أن يكون الاستثناء شاملًا لكل من يعذب بالنار من جاحد وموحد ممن استحق دخول النار، وهذا كثير في القرآن ولسان العرب، ثم إن تواتر الأحاديث على إخراج أهل الكبائر من النار، يخصص هذا الشمول والعموم ويكون الاستثناء في الآية متوجهًا لأهل التوحيد، فهم جزء ممن شمله الاستثناء.