إذا كان هذا ... يظهر مُوهم التعارض بينها وبين حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي عَيَّن فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسجده بالمسجد الذي أسس على التقوى وأخذ كفًا من حصباء وضرب به الأرض دلالة على أنه هو المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى وليس مسجد قباء.
عند ذلك كيف يكون الجمع بين ظاهر الآية وما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؟
قال ابن جرير في ترجيح ظاهر الحديث على سياق الآية: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصحة الخبر بذلك عن رسول الله.
رابعًا: مسلك التوقف:
إذا تعذر الجمع بين القرآن والسنة ولم يمكن النسخ بينهما ولا الترجيح، فإن بعض العلماء سلكوا مسلك التوقف، وهو عدم القول بدلالة الدليلين المتعارضين في الظاهر، والتوقف حتى يظهر وجه للجمع بينهما أو دليل على النسخ أو وجه من وجوه الترجيح بينهما.
قال الشاطبي: أما ترك العمل بهما معًا مجتمعين أو متفرقين فهو التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح.
وقال ابن حجر: فصار ما ظاهره التعارض واقعًا على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ فالترجيح إن تعين ثم التوقف عن العمل.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذا التوقف في الحكم على الدليلين ليس للأبد بل إلى أمد، بحيث متى تبين للمجتهد وجه من وجوه الجمع بين الدليلين أو الترجيح، أو وجد دليل على النسخ قال بذلك ودفع بذلك موهم التعارض.