ويؤيد هذا المعنى حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات ويقال: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح) .
فكيف يمكن دفع إيهام التعارض في هذه المسألة؟
مسالك العلماء تجاه موهم التعارض
سلك العلماء لدفع موهم التعارض بين الآية والأحاديث مسلك الجمع، ولهم في ذلك قولان:
القول الأول:
اختلاف الحال في المراد بالآية والأحاديث، وأنه في الحقيقة لا يوجد أي تعارض بينهما.
فالآية فيها الحديث عن تقدير الله تعالى لحياة الخلق الشقي والسعيد، وأنه تعالى يقدر حياتهم وهم في بطون أمهاتهم فمنهم الشقي ومنهم السعيد، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، وهذا كله في بداية خلقهم.
أما بعد ولادتهم فهم جميعًا مولودون على فطرة التوحيد كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.
قال ابن كثير: ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقيًا ومنهم سعيدًا: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} .
قال ابن تيمية بعد ذكر تفسير محمد بن كعب السابق للآية: فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه، وهو ما كتبه أنهم صائرون إليه، قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابتدأه على الضلالة، أي كتبه أنه يموت ضالًا، فقد يكون قبل ذلك عاملًا بعمل أهل الهدى، وحينئذ من ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى، لا يمتنع أن يَعرِض لها ما يغيرها، فيصير إلى ما سبق به القدر لها.