قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ"؛ أي هو الغَنِيُّ عن إيْمَانِ العبادِ وطاعتِهم. والغَنِيُّ: الَّذي لاَ يَحْتَاجُ إلَى شَيءٍ؛ فَيَكُونُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى:"ذُو الرَّحْمَةِ"بيانٌ أنه تَعَالَى مع كوْنِهِ غَنِيًّا عن شُكْرِ العبادِ وطاعتهم ذو إنْعَامٍ عليهم. والمعنى: ورَبُّكَ الْغَنِيُّ عن خَلْقِهِ ذو الرحمةِ بهم،"إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ"؛ أي إنْ يشاء يُهْلِكُّم يا أهلَ مكَّة؛"وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكمْ"ويخلِف من بعدكم؛ أي مِنْ بَعْدِ إهلاكِكم؛"مَّا يَشَآءُ"؛ خَلْقًا آخرَ أطوعَ للهِ منكُم؛"كَمَآ أَنشَأَكُمْ"؛ أي مِثْلَ ما ابْتَدَأ خَلْقَكم قَرْنًا بعد قرنٍ؛"مِّن ذُرِّيَّةِ"؛ أي من أولادِ؛"قَوْمٍ آخَرِينَ"؛ هالكِين.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ"؛ أي إنَّ الذي تخافونَ من البَعْثِ والعَذاب لكائنٌ لا خَلَفَ فيه،"وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ"؛ أي فائِتين لستُم تقدرونَ أن تُعْجِزُوا اللهَ عن إدراكِكم.
قَوْلَهُ تَعَالَى:"قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ"؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّد: اثْبُتُوا على حَالَتِكُمْ وعلى عملكم القَبيْحِ الذي أنتُم عليهِ وعلى منازلكم؛"إِنَّي عَامِلٌ"؛ في أمْرِي على مَنْزِلَتِي، وهذا على سبيلِ الوَعِيْدِ والتَّهْدِيْدِ،"فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ"؛ أي"فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ"أيُّنا يَكُونُ لَهُ العَاقِبَةُ المحمودةُ في الدُّنيا؛ وفي الآخرة،"إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"؛ أي لا يَظْفَرُونَ بمُرادهِم. وقرأ السلميُّ وعاصمُ (عَلَى مَكَانَاتِكُمْ) على لفظِ الجماعة. وقرأ مجاهدُ وأهل الكوفة إلا عاصمًا: (مَنْ يَكُونُ) بالياء؛ لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي.