فلمَّا نزلت هذه الآيةُ؛ قال":"هَذا مَا أوْحَى اللهُ تَعَالَى إلَيَّ أنَّهُ مُحَرَّمٌ مِنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، وَمِنْهُ عَلَى الْيَهُودِ". فقالَ المشركون: إنَّكَ لَمْ تُصِبْ فيما قُلْتَ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ:"فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ"؛ أي إنْ أنكَرُوا ولم يقبلُوا قولَكَ؛ فقُلْ:"رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ"بالإمهالِ بأن لَنْ يُعَاجِلَكُمْ بالعقوبةِ؛"وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ"؛ أي لا يُرَدُّ عذابهُ عن المشركين واليهودِ إذا جاء وقتُ العذاب."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا"؛ أي آباؤُنا من قبلِنا الذين اسْتَنَنَّا بهم،"وَلاَ حَرَّمْنَا"؛ على أنفسِنا؛"مِن شَيْءٍ"؛ من الحرْثِ والأنعام، ولكنه شَاءَ لنا الشِّرْكَ والتحريمَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:"كَذلِكَ كَذَّبَ"؛ أي قالَ؛"الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم"؛ أي هكذا كَذبَ الذين مِنْ قبلِهم رُسُلَهُمْ كما كَذبَ قومُك،"حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا"؛ أي عذابَنا. من قرأ (كَذلِكَ كَذبَ الَّذِينَ) بالتخفيفِ؛ فمعناهُ: كما كَذبَ قومُك على اللهِ؛ كذلك كَذبَ مَن قبلَهم من الأُمَمِ الخالية على اللهِ؛ حتى ذاقُوا عذابَنا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ"؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّد: هَلْ عندَكم من عِلْمٍ من بَيَانٍ وحُجَّةٍ غير ما في القُرْآنِ؛ فَبَيِّنُوهُ لَنَا،"إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ"؛ يعني ظَنَّهُمْ في تحريمِ البَحِيْرَةِ والسَّائِبَةِ وَالْوَصِيْلَةِ وَالْحَامِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ"؛ ما أنتم إلاَّ تَكْذِبُونَ على اللهِ.