فهرس الكتاب

الصفحة 1053 من 3352

وأنكرَ الخليلُ وسيبويه أن تكونَ (ثُمَّ) بمعنى (الواو) ، ولكن تكونُ للتراخِي. ويجوزُ أن يكونَ معنى (ثُمَّ) ها هنا التَّراخِي من حيثُ الإخبارُ دون تَرَادُفِ الحالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ"؛ ليسَ هذا الجوابُ عمَّا سَألَهُ تعالى من جهةِ اللفظ؛ لأن هذا الجوابَ جوابُ: أيُّكما خَيْرٌ؟ إلاَّ أن هذا جوابٌ من جهةِ المعنى، فإن معناهُ: إنَّما مَنَعَنِي من السجودِ إلا أنِّي كنتُ أفضلَ منه.

وكان هذا القولُ من اللَّعِيْنِ تَجْهِيْلًا منهُ بخَالِقِهِ؛ كأن قال: إنَّكَ فضَّلْتَ الظُّلْمَةَ على النُّور وليسَ ذلكَ من الحكمةِ. فأعلَمَ اللهُ تعالى أنهُ صَاغِرٌ بهذا القولِ، وليس الأمرُ على ما قاله الْمَلْعُونُ؛ لأنهُ رأى أنَّ جوهرَ النار أفضلُ من جوهرِ الطِّينِ في المنفعةِ، وليس كذلكَ لأن عَامَّة الثِّمَار والحبوب والفواكه من الطِّينِ، وكذلك الملابسُ كلُّها لا تخرجُ إلا من الطِّين، وعمارةُ الأرضِ من الطين، وهو موضعُ القَرَار عليهِ لا استغناءَ عنهُ في حالٍ من الأحوال. وأما النَّارُ فهي لِلْخَرَاب، وإنْ كان فيها بعضُ المنافعِ.

وقال ابنُ عبَّاس: (أوَّلُ مَنْ قَاسَ فَأْخْطَأَ الْقِيَاسَ إبْلِيْسُ لَعَنَهُ اللهُ، فَمَنْ قَاسَ الدِّيْنَ بتَبَعٍ مِنْ رَأيهِ قَرَنَهُ اللهُ مَعَ إبْلِيْسَ) . وكان قياسُ إبليسَ أنه قال: النارُ خيرٌ وأفضلُ وأصفَى وأنورَ من الطِّين. وقال ابنُ سيرينَ: (أوَّلُ مَنْ قَاسَ إبْلِيْسُ، وَمَا عُبدتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إلاَّ بالْمَقَاييْسِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت