فهرس الكتاب
وقالَ بعضُهم: هو أن اليهودَ عاهَدُوا: لئِنْ خرجَ مُحَمَّدٌ لنؤمننَّ به ولنكوننَّ معه على مشرِكي العرب ونَنفُوهم من بلادهم. فلما بُعث نقضُوا العهدَ وكفروا به، دليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ" [البقرة:101] أي طرحوهُ وراءَ ظهورهم."نَّبَذَهُ"؛ أي طرحَهُ"فَرِيقٌ مِّنْهُم"؛ أي طرحوهُ كأنَّهم لا يعلمون صِدْقَ ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى:"بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ"؛ أي أنَّهم يعلمون ذلكَ ولكنَّهم تجاهلوهُ كأنَّهم لا يعلمونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ"، يعني التوراة،"كِتَابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"؛ يعني القرآن: وقيل: التوراة أيضًا؛ لأنَّهم إذا نبذوا القرآنَ فقد نبذوا التوراة. والنَّبْذُ: الطَّرْحُ. وقرأ ابن مسعود: (نَقَضَهُ فَرِيْقٌ) . وقال عطاءُ: (هَيِ الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ"وَبَيْنَ الْيَهُودِ كَفِعْلِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيْرِ) . والدليلُ قوله تعالى:"الَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ" [الأنفال:56] وكانوا قد عاهَدوا النَّبِيَّ"أن لا يعينُوا عليه أحدًا؛ فنقضوا وأعانوا مشركي قريش عليه يومِ الخندق. وإنَّما قال:"فَرِيقٌ مِّنْهُم" [البقرة:100] لأن علماءَهم هم الذين نبذوا عنادًا مع العلم به؛ وإنَّما قال:"بَلْ أكْثَرُهُمْ" [البقرة:100] لأنَّ منهم من آمنَ وهو ابنُ سلام وكعبُ الأحبار وغيرهما.