فهرس الكتاب

الصفحة 1204 من 3352

والتَّحَرُّفُ في اللغة: هو الزَّوَالُ من جهةِ الاستواءِ، والتَّحَيُّزُ: طلبُ حَيِّزٍ يَكْمُنُ فيه.

واختلفَ العلماءُ هل الوعيدُ في هذه الآيةِ مقصورٌ على حرب بدرٍ أم هو عامٌ في جميعِ الأوقات؟ قال بعضهم: إنه خاصٌّ في حرب بدر؛ لأنه لم يكن يومئذٍ للمسلمين فيه سِواهُم، وكان النبيُّ"حاضِرًا في ذلك الحرب، وكان النصرُ موعودًا إليه يومئذٍ ومع حضُورهِ، وكان لا يعدُّ غيرهُ فئةً، وكان المنهزِمُ عن القتالِ يومئذ غيرَ متحيِّزٍ إلى فئةٍ، فأما اليومَ المنهزمُ عن الحرب يكون مُتَحيِّزًا إلى فئَةٍ أعظمَ من الْمُحاربين من المسلمين. وقال بعضُهم: إنه عامٌّ في جميعِ الأوقات، ولا يجوزُ الانْهزَامُ عن قتالِ المشركين مع قوَّة القتال، وإلى هذا ذهبَ ابنُ عباس، وذكرَ محمَّد بنُ الحسنِ في السِّيَرِ الكبير (أنَّ الْجَيْشَ إذا بَلَغُوا اثْنَى عَشَرَ ألْفًا فَلَيْسَ لَهُمْ أنْ يَفِرُّواْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَإنْ كَثُرَ الْعَدُوُّ) . واحتَجَّ بما رُوي عن النبيِّ"أنه قالَ:"خَيْرُ الأَصْحَاب أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ مِنْ قِلَّةٍ".

قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ"؛ معناهُ: لَم تقتلُوهم يومَ بدرٍ بأنفُسِكم، ولكنَّ الله قَتَلَهم بالملائكةِ. وأضافَ اللهُ قتْلَهم إلى نفسهِ؛ لأن السببَ في قتلِهم كان من الله تعالى، فإنهُ هو الذي أيَّدَ المؤمنين بالملائكةِ حتى شجَّعَ قُلوبَهم، وأنزلَ المطرَ حتى ثبَّتَ به الأقدامَ، وألقَى في قلوب المشركين الرُّعب حتى انْهَزمُوا. وَقِيْلَ: كان المسلمون يقولُون قتَلَنَا فُلانًا وفلانًا. فأرادَ اللهُ تعالى أنْ لا يُعجَبُوا بأنفُسِهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت