فهرس الكتاب
وأما تخصيصُ المؤمنين بالأمرِ لهم بالطَّاعة وإن كانت هذه الطاعةُ واجبةً على غير المؤمنين كوجوبها على المؤمنين، فلأحَدِ مَعنيين: إما إجلالًا لهم ورَفعًا لقدرهم فيدخلُ غيرُهم في الخطاب على جهة التَّبَعِ لهم، وإما لأنه لم يَعْتَدَّ بغيرِ المؤمنين؛ لإعراضهم عما وجبَ عليهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ"؛ أي لا تكونوا كالذينَ قالوا سَمِعنَا على جهةِ القَبُولِ، وهم لا يسمعون للقبولِ، وإنما سَمعُوا به للردِّ والإعراضِ عنه، ويقالُ: معناه: ولا تَكونوا كالَّذين قَالوا قَبلْنَا وهم لا يَقبَلون، ومنه قولُه (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي قَبلَ اللهُ حَمْدَ مَن حَمَدُه. واختلَفُوا فيمَن نزلت هذه الآيةُ، قال ابنُ جُرَيج: (نَزَلتْ فِي الْمُنَافِقِينَ) وقال الحسنُ: (فِي أهْلِ الْكِتَاب) . ويقالُ: في مُشرِكي العرب.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ"؛ معناهُ: أن شرَّ الخليقَةِ على وجهِ الأرضِ الكفَّارُ الذين لا يسمعونَ الْهُدَى، ولا يتكلَّمُون بالخيرِ، ولا يتدبَّرون القرآنَ. وسَمَّاهم صُمًّا بُكْمًا؛ لأنَّهم لم ينتفِعُوا بما سَمعوا من دلائلِ اللهِ تعالى، قال الأخفشُ: (كُلُّ مُحْتَاجٍ إلَى غَذاءٍ فَهُوَ دَابَّةٌ) . ومعنى الآيةِ: إن شرَّ ما دبَّ على وجهِ الأرض من خلقِ الله تعالى الصمُّ البُكْمُ عن الحقِّ، فهُم لا يسمعونَهُ ولا يعقلونه. وَقِيْلَ: صُمُّ القُلوب وعُميُها، قَالَ اللهُ تَعَالَى:"فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" [الحج:46] .