وقولهُ تعالى:"التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ"؛ في الآيةِ قَولان: أحدُهما: أن قوله"التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ"رُفِعَ بالابتداء، كأنهُ قال: التائبون العابدون ... إلى آخر الآيةِ لَهم الجنةُ أيضًا؛ أي مَن قعدَ عن الجهادِ غيرَ مُؤَازِرِ ولا قاصدِ تركه، وهو على هذه الصِّفة في هذهِ الآية فله الجنَّة.
والقولُ الثاني: أنّ قولَهُ"التَّائِبُونَ"يدلُّ على المقاتِلين، كأنه قال: المقاتِلُون التائبون العابدون، ويجوزُ أنْ يكون قولُه:"التَّائِبُونَ"رفعًا على المدحِ، أي هم التائبون من الشِّرك والذُّنوب، المطيعون للهِ"الْحَامِدُونَ"الذين يحمَدون اللهَ تعالى على كلِّ حالٍ،"السَّائِحُونَ"الصَّائِمُونَ.
كما رُوي عن رسولِ الله"أ نه قال:"سِيَِاحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ"وإنما سُمي الصَّائم سَائحًا تشبيهًا بالسائحِ في الأرض؛ لأن السائحَ ممنوعٌ من الشَّهوات، فكذلك الصائمُ."
قال الحسنُ: (أرَادَ السَّائِحينَ صَوَّامِي شَهْرِ رَمَضَانَ) ، وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى عليه وسلم:"السَّائِحُونَ الصَّائِمُونَ". وسُئل سعيدُ بن جبير عن السائحين فقالَ: (هُمُ الصَّائِمُونَ) ، وقال الشاعرُ: بَرًّا يُصَلِّي لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ يَظَلُّ كَثِيرَ الذِّكْرِ للهِ سَائِحًاأي صائمًا.
وقال الحسنُ أيضًا: (السَّائِحُونَ الَّذِينَ يَصُومُونَ عَنِ الْحَلاَلِ وأَمْسَكُواْ عَنِ الْحَرَامِ، وَهَهُنَا وَاللهِ أقْوَامٌ رَأيْنَاهُمْ يَصُومُونَ عَنِ الْحَلاَلِ، وَلاَ يُمْسِكُونَ عَنِ الْحَرَامِ، وَاللهُ سَاخِطٌ عَلَيْهِمْ) ، وقال عطاءُ: (السَّائِحُونَ هُمُ الْغُزَاةُ وَالْمُجَاهِدُونَ) . وسئل عكرمةُ عن قولِه تعالى:"السَّائِحُونَ"فقال: (طَلَبَة الْعِلْمِ) .