قَوْلُهُ تَعَالَى:"الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ"أي الذين يؤَدُّون ما فرضَ اللهُ عليهم من الرُّكوع والسجودِ المفروضة، وقولهُ تعالى:"الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ"أي الآمِرون بالإيمانِ والنَّاهون عن الشِّرك. وَقِيْلَ: معناهُ: الآمِرُون بكلِّ معروفٍ، والناهون عن كلِّ منكرٍ.
وإنما ذُكر الناهو بالواو وبخلاف ما سبقَ؛ لأن النهيَّ عن المنكرِ لا يكادُ يُذْكَرُ إلا وهو مقرونٌ بالأمرِ بالمعروف، فدخلَ الواوُ ليدُلَّ على المقارنةِ. والمعروفُ: هو السُّنة، والمنكرُ: هو البدْعَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ"؛ عُطِفَ على ما تقدَّم. وَقِيْلَ: المرادُ بهم جميعُ المذكورين من أوَّل الآيةِ إلى هذا الموضع، وهذه الصِّفة من أتَمَّ ما يكون من المبالغةِ في وصفِ العباد بطاعتهِ لله، والقيام بأوامره والانتهاءِ عن زواجرهِ؛ لأن اللهَ تعالى بيَّن حدودَهُ في الأمرِ والنهي وفي ما نَدَبَ إليه فرغَّب فيه أو خيَّر فيه، وبيَّن ما هو الأَولى في مجرَى طاعةِ الله تعالى، فإذا قامَ العبدُ بفرائضِ الله وانتهَى إلى ما أرادَ الله منه كان من الحافظِين لحدودِ الله، كما رُوي عن خلفِ بن أيُّوب: أنَّهُ أمَرَ امْرَأَتَهُ أنْ تُمْسِكَ إرْضَاعَ وَلَدِهِ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَقَالَ: قَدْ تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ، قِيْلَ لَهُ: لَوْ تَرَكْتَهَا حَتَّى تُرْضِعَهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ". قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ"؛ أي بشِّرهُم بالجنةِ.