فهرس الكتاب
وقوله:"كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الْلَّيْلِ مُظْلِمًا"؛ أي كأنَّما ألبسَتْ وجُوهم قِطَعًا من اللَّيل، أكثرُ القراءةِ على فتحِ الطَّاء وهو جمعُ قطعَةٍ، ويكون"مُظْلِمًا"على هذهِ القراءة نَصبًا على الحالِ، والقطعُ دونَ النعتِ كأنَّه أرادَ قِطَعًا من الليلِ المظلم، فلما حذفَ الألفَ واللام نُصب على القطعِ. ويجوزُ أن يكون حالًا؛ أي قِطَعًا من الليلِ في حال الظُّلمة.
وقرأ ابنُ كثير والكسائي ويعقوب (قِطْعًا) ساكنةً الطَّاء؛ أي بَعْضًا كقوله تعالى:"بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيلِ" [الحجر:65] ويكون"مُظْلِمًا"نعتًا للقطعِ، وقولهُ تعالى:"أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"؛ ظاهرُ المعنى.
قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أهْلِ الشِّرْكِ) . وقولهُ:"جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا"أي قِصَاصُ الشِّركِ بالله النارُ، ليس في النارِ زيادةٌ على جزاءِ الْمِثْلِ، إذ لا ذنبَ أعظمُ من الشِّرك، ولا عِقَابَ أشدُّ من النار، كما قال تعالى:"جَزَآءً وِفَاقًا" [النبأ:26] . وقال":"أوْقِدَ عَلَى النَّار ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّت، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللِّيْلِ الْمُظْلِمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإنَّ لَوْنَهَا أشَدُّ سَوَادًا مِنَ الْقَبْرِ فِي عَيْنَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ، وَأهْلُهَا سُودٌ، فَكَذلِكَ طَعَامُهَا وَشَرَابُهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَوِ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِهَا عَلَى الأَرْضِ لاَسْوَدَّتْ بهَا الأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ سَوَادِهِ"."