قولهُ:"رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ"؛ معنى الطَّمْسِ على الأموالِ تغييرُها عن جِهَتِها إلى جهةٍ لا ينتفعُ بها، وحقيقةُ الطَّمْسِ ذهابُ الشيءِ عن صُورتهِ بمَحْقِ الأثرِ. قال مجاهد وقتادة: (فَغَيَّرَ اللهُ أمْوَالَ فِرْعَوْنَ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمُهُمْ وَدَنَانِيرُهُمْ حِجَارَةً أنْصَافًا وَأثْلاَثًا وأرْبَاعًا، وكَذلِكَ سَائِرُ أمْوَالِهِمْ حَتَّى السُّكَّرَ وَالْفَوَاكِهَ) . قال قتادةُ: (بَلَغَنَا أنَّ حُرُوثًا لَهُمْ صَارَتْ حِجَارَةً) . وقال عطاء: (لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَعْدِنٌ إلاَّ طَمَسَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِه أحَدٌ) .
قولهُ:"وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ"؛ معناه: واربطْ على قلوبهم بالصبرِ حتى لا يتحوَّلوا عن بلادِهم إلى بلاد الخصب فيبقون في هذهِ العقوبة أبدًا. وَقِيْلَ: معناهُ: امنَعهُم عن الإيمانِ بكَ، والمعنى اطْبعْ عليها حتى لا تَلِينَ ولا تشرحَ الايمان. قولهُ:"فَلاَ يُؤْمِنُواْ"؛ قال الزجَّاجُ والفراء: (هَذا دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا) ، والتأويلُ فلا آمنوا،"حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ"؛ يعني الغرقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا"؛ أي قَالَ اللهُ تَعَالَى لموسى وهرون: قد أجبتُ دعوتَكما، وذلك أنَّ موسى كان يدعُو بالدُّعاء المذكورِ في الآية، وكان هرون يُؤَمِّنُ على دُعائهِ، فسمَّاها اللهُ دَاعِينَ، قوله"فَاسْتَقِيمَا"أي فاستقيما في دُعاءِ الناسِ إلى الإيمان،"وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ"لأن سبيلَهم كان الغَيَّ والضلالَ، وخفَّفَ ابنُ عبَّاس (تَتْبَعَانِ) من تَبعَ يَتْبَعُ، والنون الشديدةُ إنما دخلت مؤكِّدةً للنهي.