والجوابُ: إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم: لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ: (السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى:"فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ" [الرحمن:39] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:"لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ"سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ"؛ أي أظهِرْ أمرَكَ بمكَّة واترُكهم حتى يجيءَ أمرُ الله بقتالهم، وكان"مُستَخفيًا بمكَّة قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، لا يظهرُ شيئًا مما أنزلَ الله عليه، فلما نزلت هذه الآيةُ أظهرَ النبيُّ"أمرَهُ وأعلنه بمكَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ"؛ بكَ،"الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلاهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ"؛ وهم خمسةُ نَفَرٍ أهلكَهم اللهُ في يومٍ واحد، منهم العاصُ بن وائلٍ، نزلَ شِعبًا من ذلكَ الشِّعاب، فلمَّا وضعَ قدمَهُ على الأرضِ قال: لُدِغْتُ، فطلَبُوا فلم يجدوا شيئًا، فانتفَخَت رجلهُ حتى صارَت مثل عنُقِ البعيرِ فماتَ مكانَهُ.
ومنهم الحارثُ بن قيسٍ أكلَ حُوتًا مالحًا فأصابَهُ عطشٌ شديد فلم يزل يشربُ حتى انقدَّ مكانه فماتَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِالمطلب بن الحارث، قعدَ إلى أصل شجرةٍ، فجعلَ جبريل يضربُ رأسَهُ على الشَّجرة حتى ماتَ، وكان يستغيثُ بغُلامهِ، فقال غلامهُ: لا أرَى أحدًا صنعَ بكَ شيئًا غيرَ نفسِكَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِ يَغوث خرجَ من أهلهِ فأصابه السَّمُومُ فاسودَّ حتى صارَ حَبَنًا، واتَى أهلَهُ فلم يعرفوهُ فأغلقوا دونه البابَ حتى ماتَ.