فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ"؛ أي مِن أينَ يكون لِي ولدٌ،"وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ"؛ ولَم يقربني زوجٌ،"وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا"؛ أي ولَم أكن فاجرةً زانية، والباغيةُ هي الطالبةُ للزِّنَى. قال ابنُ عبَّاس: (قَالَتْ مَرْيَمُ لَيْسَ لِي زَوْجٌ، وَلَسْتُ بزَانِيَةٍ، وَلاَ يَكُونُ الْوَلَدُ إلاَّ مِنَ الزَّوْجِ أو الزِّنَى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكِ"؛ أي قالَ لَها جبريلُ، كما قلتُ لكِ قالَ ربُّك:"هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"؛ أي خَلْقُهُ عليَّ هيِّنٌ من غيرِ هاتين الجهتين، كخلقِ آدمَ، لا أبَ ولا أُمَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا"؛ أي لنجعلَهُ دلالةً على قدرتِنا ورحمةً للخلقِ، وَقِيْلَ: ورحمةً لِمن اتَّبعَهُ على دِينه وصِدقه وكان خلقهُ،"وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا"؛ أي مَحكومًا به مَفروغًا منه، سابقًا في علمِ الله أن يقعَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا"؛ وذلك أنَّها لَمَّا سَمعت كلامَ جبريل اطمأنَّتْ إلى قولهِ، فدَنَا منها ونفخَ في جيبها، فوصلت تلك النفخةُ إلى بطنِها فحملت بعيسَى عليه السلام. وَقِيْلَ: نفخَ جبريلُ بها من بعيدٍ فوصلت النفخةُ إليها فحملَتْ. فلما ظهرَ حملُها انْتَبَذتْ أي خرجت وانفردَتْ، وتَنَحَّتْ بولادتِها إلى مكانٍ بعيد من الناسِ. والانْتِبَاذُ: مأخوذٌ من نَبَذْتُ الشيءَ إذا رميتُ بهِ، وجلسَ نُبْذةً أي ناحيةً، والقاصِي والقصِيُّ خلافُ الدَّانِي.
واختلفوا في مُدَّةِ حَملِها، فقال بعضُهم: تسعةُ أشهرٍ كحمل سائرِ النِّساء على ما جرت به العادةُ، وقال: بعضُهم ثَمانية أشهرٍ، وكان ذلك آيةً أُخرى؛ لأنه لَم يعِشْ مولودٌ وُضِعَ لثمانيةِ أشهر غيرُ عيسى عليه السلام، وقال بعضُهم: ستةُ أشهر، وَقِيْلَ: ثلاث ساعات، وَقِيْلَ: ساعةٌ واحدة.