فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي"؛ يعني أسْرِ بهم في أوَّلِ الليل من أرضِ مصرَ، يعني بني إسرائيلَ،"فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا"؛ أي يَابسًا، وذلك أنَّ اللهَ تعالى أيْبَسَ لَهم ذلك الطريقَ حتى لَم يكن فيه ماءٌ ولا طين. قَوْلُهُ تَعَالَى:"لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى"؛ أي إنكَ آمنٌ لا تخافُ أن يُدركَكَ فرعونُ، ولا تخشَ الغرقَ من البحرِ.
وقرأ حمزةُ (لاَ تَخَفْ) على النَّهي مجزومًا، (وَلاَ تَخْشَى) بالألفِ، كأنه استأنفٌ، وتقديرهُ: وأنتَ لا تخشى، كقولهِ:"يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ" [آل عمران:111] .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ"؛ مَن قرأ (فَأَتْبَعَهُمْ) بالتخفيف فمعناهُ: ألَحَقَ جُنُودَهُ بهم، والباءُ في (جُنُودِهِ) زائدةٌ، والمعنى: أمَرَهُم أن يتَّبعُوا موسى وقومَهُ، ومن قرأ (فَأَتَّبَعَهَمْ) بالتشديدِ، فالمعنى اتَّبَعَهُمْ بنفسهِ ومعهُ الجنود. قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ"؛ أي عَلاَهُمْ وسَتَرَهُمْ من البحرِ ما علاهُم وهو الغرقُ.
وذلك أنَّهُ لَمَّا تَرَاءَى الجمعانِ، أمرَ اللهُ موسى أن يضربَ بعصاهُ البحرَ، فضربه فانفلقَ الماءُ في عِرْضِ البحرِ حتى صارَ فيه اثنا عشرَ طريقًا، وبَقِيَ الماءُ قائمًا بين الطريقين كالجبلِ، فسَلَكَ موسى، وأخذ كلُّ سِبْطٍ من بني إسرائيل طَريقًا من هذه الطُّرُقُ.
فلما أشرفَ فرعونُ وقومُهُ على البحرِ فرأوهُ مُنْفَلِقًا فيه طُرُقٌ يابسةٌ، أوْهَمَ قومَهُ أنَّ البحرَ إنَّما انفلقَ من هَيْبَتِهِ! فدخلَ فرعونُ خَلْفَ بني إسرائيلَ، فصاحَتِ الملائكةُ في القومِ: أنْ الْحَقُوا الْمَلِكَ حتى إذا دَخَلَ آخرُهم، وهَمَّ أوَّلُهم بالخروجِ أن يخرجَ، أطبقَ اللهُ تعالى البحرَ عليهم فَغَرِقُوا.