فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"بَلِ افْتَرَاهُ"أي قالوا اخْتَلَقَهُ كَذِبًا من تلقاءِ نفسه، ثُم قالوا: (بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) فجعلوا يَنْقِضُونَ أقوالَهم قولَ متحيِّرٍ لا يُمْكِنُهُ الجزمُ على أمرٍ واحد. قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ"؛ بالآياتِ، نحوُ انقلاب البحر، وإحياءِ الموتى، والناقة والعصا.
فقال اللهُ تعالى مُجيبًا لَهم:"مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ"؛ أي ما آمَنَتْ قَبْلَ مشركي مكَّة"مِّن قَرْيَةٍ"يعني أهلَها، والمعنى: ما آمَنَتْ من قريةٍ مُهْلَكَةٍ بالآياتِ الْمُرْسَلَةِ، فكيفَ يُؤْمِنُ هؤلاء؟ والمعنى: أنَّ مَجِيْءَ الآياتِ لو كان سَبَبًا للإيْمانِ من غيرِ إرادة الله لكان سَببًا لإيْمانِ أولئكَ، فلما بَطَلَ ذلك بَطَلَ هذا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ"؛ يعني ما أرْسَلْنَا قَبْلَكَ من الرُّسُلِ إلاّ رجَالًا مثلكَ، وهذا جوابٌ لقولِهم"هَلْ هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ" [الأنبياء:3] ، فقال اللهُ تعالى: لَمْ أُرْسِلْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ إلاّ رجَالًا من بَنِي آدمَ لا الملائكةَ،"فَاسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"؛ وأرادَ بأهلِ الذِّكر علماءَ أهلِ الكتاب؛ لأن اليهودَ النصارى لا ينكرونَ أن الرُّسُلَ كانوا بَشَرًا، وإنْ أنكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وَقِيْلَ: أرادَ بالذِّكر القُرْآنَ، والمعنى: فاسألوا المؤمنينَ مِن أهلِ القُرْآنِ إن كنتم يا أهلَ مكَّة لا تعلمون. قال عَلِيٌّ (كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ) :لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ: (نَحْنُ أهْلُ الذِّكْرِ) .