فهرس الكتاب
وَقِيْلَ: معنى الآيةِ: تذكَّروا بقلوبهم، ورجَعُوا إلى عقولِهم، فقالوا: ما نراهُ إلاّ كما قالَ إنَّكُمْ أنْتُمُ الظَّالِمُونَ بعبادتِكم آلِهَةً لا تنطقُ ولا تبطشُ، ثُم أدركَتْهم الشقاوةُ، فعادوا إلى قولِهم الأوَّل وضلالِهم القديم، وهو قوله"ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ"أي رُدُّوا إلى الكفرِ بعد أن أقَرُّوا على أنفسِهم بالظُّلم، فقالوا لإبراهيم: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤلاَء يَنْطِقُونَ فلذلِكَ كسرتَهم.
فلما اتَّجهت الْحُجَّةُ عليهم بإقرارهم، وبَّخَهُمْ إبراهيمُ و"قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا"؛ ولا يرزقُكم"وَلاَ يَضُرُّكُمْ"؛ إذا لَم تعبدوهُ،"أُفٍّ لَّكُمْ"؛ أي تَبًّا لكم،"وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ"؛ أنَّ هذه الأصنامَ لا تستحقُّ العبادةَ، إذ هي أحجارٌ لا حركةَ لَها ولا بيانَ، أفليس لكم ذهنُ الإنسانيَّةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْ آلِهَتَكُمْ"؛ أي لَمَّا ألزمَتْهُم الحجةُ، وعجزوا عن الجواب غَضِبُوا فقالوا: حرِّقوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بتحريقهِ؛ لأنه يعيبُها ويطعنُ فيها، فإذا حرقتموهُ كان ذلك نصرًا منكم إياها. وَقِيْلَ: معناهُ: وانتقموا لآلِهتِكُم وعظِّمُوها،"إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ"؛ في هذا شيئًا.
فاشتَغَلوا بجمعِ الحطب حتى كان الشيخُ الكبير يأتِي بالحطب تقرُّبًا إلى آلِهتهم، وحتى أن المريضَ كان يُوصِي بكذا وكذا من مالهِ فيشتري به حَطَبًا فيُلقَى في النار، وحتى أن المرأةَ لتغزلُ فتشتري به حطبًا، وتلقيه في النارِ. قال ابنُ عمر: (إنَّ الَّذِي أشَارَ عَلَيْهِمْ بتَحْرِيْقِ إبْرَاهِيْمَ رَجُلٌ يُسَمَّى(هِيْزَنَ) فَخَسَف اللهُ بهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيْهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).