ومعناها: نَفْيُ الحرجِ عن الزَّمْنَى في أكْلِهم من بيوتِ أقاربهم أو بيوتِ مَن يدفعُ إليهم المفتاحَ إذا خرجَ للغَزْوِ وخَلَفَهُ بحفظِ ماله؛ لأنَّهم كانوا يتحَرَّجون أن يأكلُوا مما يحفظونَهُ، فأَعْلَمَهُمُ اللهُ تعالى أنه لا جُنَاحَ عليهم في ذلكَ.
وذهبَ الحسنُ إلى أن معنى الآيةِ: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيْضِ حَرَجٌ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ"؛ أي لا حرجَ عليكم أن تأكلوا من بيتكم، أرادَ بهذا بيوتَ أبنائِكم ونسلهم، وإنَّما أضافَ بيوتَ الأبناءِ إليهم لأنَّهم مِن أنفسهم، كما قال":"أنْتَ وَمَالُكَ لأَبيْكَ"ولِهذا قابلَهُ ببيوتِ الآباء، فقالَ:"أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ "؛ ولَم يقل بيوتَ أبنائكم، فعُلِمَ أن المرادَ بقوله:"وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ"أي بيوتِ أبنائِكم وأزواجِكم، وبيتُ المرأةِ كبيت الزَّوجِ."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ"؛ أخرجَ الكلامَ على وفْقِ العادةِ؛ لأن الغالبَ مِن أحوالِ هؤلاء أن تَطِيْبَ أنفسُهم بذلكَ، فجازَ الأكلُ مِن بيوتِهم بغيرِ إذنٍ لدلالة الحالِ.
فأمَّا إذا عَلِمَ أن صاحبَ البيت لا تطيبُ نفسهُ بذلكَ، لا يحلُّ له أن يتناولَ شيئًا من ذلكَ،"أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ"؛ يعني بيوتَ عبيدِكم وإمائكم، وذلك أن السيِّدَ يَمِلِكُ بيتَ عبدهِ، أو الْمَفَاتِحُ معناها الخزائنُ، كقولهِ تعالى"وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ" [الأنعام:59] أي خزائنُ الغيب.